بسم الله الرحمن الرحيم
مقال بعنوان
١٠ يناير ٢٠٢٦م
العودة إلى الخرطوم بعد الحرب ليست مجرد حركة جغرافية، بل امتحان أخلاقي وسياسي واجتماعي شامل. المدينة التي كانت مركز الدولة والاقتصاد والعمل المنظم، عادت مثقلة بالخراب، ومجروحة بالغياب القسري لملايين العمال والموظفين والحرفيين. في هذا السياق، يبرز سؤال لا يمكن الهروب منه: ما هو الدور الحقيقي المنتظر من نقابات العمال في مرحلة ما بعد الحرب؟ وهل هي مستعدة أصلًا للقيام به؟
لنكن صرحاء: النقابات العمالية في السودان لم تكن ضحية الحرب فقط، بل كانت قبلها ضعيفة، ومخترقة، ومفرغة من مضمونها في كثير من الأحيان. سنوات طويلة من التدجين، والتسييس، والتفكيك المنهجي جعلت أغلبها أجسامًا شكلية، تتحدث باسم العمال دون أن تمتلك أدوات الدفاع عنهم. الحرب لم تُنشئ هذه الأزمة، لكنها كشفتها بلا رحمة.
اليوم، ومع الحديث المتزايد عن العودة إلى الخرطوم، تُطرح النقابات في الواجهة من جديد، لا باعتبارها كيانات مطلبية تقليدية، بل كفاعل اجتماعي وسياسي لا غنى عنه. فعودة العمال ليست مجرد فتح مكاتب أو تشغيل مؤسسات، بل تتعلق بشروط العمل، والأمان الوظيفي، والأجور، والسكن، والخدمات، والحماية الاجتماعية. وهذه كلها قضايا لا يمكن التعامل معها ببيانات موسمية أو لغة إنشائية.
الدور الأول والأكثر إلحاحًا لنقابات العمال هو حماية العمال من إعادة إنتاج الظلم باسم إعادة الإعمار. فالتجارب العالمية تقول إن ما بعد الحرب هو الزمن الذهبي للاستغلال: عقود هشة، أجور متدنية، ساعات عمل طويلة، وغياب شبه كامل للضمانات. إذا لم تكن النقابات حاضرة بقوة، ستتحول عودة الخرطوم إلى عودة غير عادلة، يدفع ثمنها العمال وحدهم.
الدور الثاني يتمثل في إعادة تنظيم العمال أنفسهم. الحرب مزّقت البنية الاجتماعية، وكسرت الروابط المهنية، ودفعت كثيرين إلى الاقتصاد الهش والعمل غير المنظم. النقابات مطالبة اليوم بالخروج من مكاتبها المغلقة، والنزول إلى مواقع العمل، والأحياء، ومراكز العودة، لإعادة بناء الثقة، وتنظيم الصفوف، وتمثيل العمال الجدد لا الاكتفاء بالعضوية القديمة.
أما الدور الثالث، وهو الأخطر، فيكمن في الانحياز الواضح للعدالة الاجتماعية. لا حياد هنا. النقابات التي تحاول الوقوف في المنتصف بين العمال وأرباب العمل أو بين العمال والدولة، ستفقد معناها. مرحلة ما بعد الحرب تتطلب نقابات جريئة، تقول لا حين يجب أن تُقال، وتفاوض من موقع قوة لا من موقع التوسل.
وفي قلب هذا كله، تأتي الخرطوم كرمز ومعركة. عودة العاصمة لا يجب أن تُدار بعقلية “استئناف العمل” فقط، بل بعقلية “إعادة تعريف العمل”. من يعمل؟ بشروط ماذا؟ ولصالح من؟ هذه الأسئلة لا تطرحها الحكومات ولا المستثمرون، بل النقابات الحقيقية.
لكن، وهنا يجب أن نكون واضحين دون تجميل: هذا الدور لن تقوم به نقابات لم تُراجع نفسها. لا مستقبل لنقابات تُدار بعقلية ما قبل الحرب، أو بقيادات فقدت شرعيتها، أو بخطاب منفصل عن معاناة العمال الفعلية. الإصلاح الداخلي، والديمقراطية النقابية، والاستقلال عن السلطة السياسية، ليست شعارات، بل شروط بقاء.
ختامًا، نقابات العمال أمام لحظة فاصلة. إما أن تكون جزءًا من إعادة بناء الخرطوم على أسس عادلة، أو أن تتحول إلى شاهد صامت على إعادة إنتاج الإقصاء والفقر. ما بعد الحرب لا يحتاج نقابات ديكور، بل نقابات تقاتل ـ بالمعنى المدني ـ من أجل كرامة العمل وكرامة الإنسان. وفي هذه المعركة، الصمت ليس خيارًا.
ولنا عودة
