لطالما سكنني شعور غريب تجاه ولاية القضارف، تلك البقعة التي كنت أحسبها لزمن طويل ولاية “بخيلة” على نفسها، ليس لفقر في مكنونها، بل لأن الدر النفيس يختبئ في أعماقها وهي تأبى أن تظهره، فتظل تائهة خلف مظهر باهت لا يعكس حقيقتها. كنت أمرّ بشوارعها فأرى تكدس النفايات وبرود المؤسسات وعفوية تقترب من اللامبالاة، فأقول في نفسي إن هذه الولاية لن تقوم لها قائمة. كنت أتطلع في كل محفل إعلامي وفي كل زاوية أزورها إلى أن تنهض هذه الجميلة من كبوتها، وتنفض عنها غبار “الخرقة السوداء البالية” التي كانت تلتحف بها. لكن، وقبل أن أغادرها، بدأت ألمس خيطاً أبيض يتسلل من بين عتمة اليأس، رأيته في عيون الناس وفي تلك الرحلات التي طفنا فيها شرقاً وغرباً، فأيقنت أن القضارف تخبئ فجراً جديداً، وأن قلبي الذي تعلق بها لن يجد وجهة بديلة حتى وإن كانت أم درمان هي المبتدأ، فالقضارف هي المنتهى وعنوان الخير الكبير.
لقد كان مشهد العمل الاجتماعي في الولاية ضبابياً لسنوات، حيث كانت وزارة الرعاية “مخفية” في جلباب وزارة الصحة، تائهة بين ملفات الطب والأوبئة، وكنت أتساءل دوماً بمرارة: كيف لولاية بهذا الثقل أن تترك إنسانها دون سند اجتماعي متخصص؟ وحين زرت مكاتبها سابقاً وجدتها خاوية على عروشها، تسكنها أيادٍ لا تملك القرار وقلوب مثقلة بالقيود. لكن اليوم، يتبدل المشهد ويثلج الصدر بقرار إنشاء وزارة مستقلة للرعاية والتنمية الاجتماعية، وتقودها امرأة لم ألتقِ بها ولكن صدى عملها وصل الآفاق. إن استقلال هذه الوزارة ليس مجرد إجراء إداري، بل هو بعث لروح التكافل السوداني الأصيل، وتحويل هذه المؤسسة من “آخر الوزارات” ترتيباً إلى “أولاها” فعلاً وأثراً، لتقود العمل الإنساني ليس في القضارف فحسب، بل على مستوى السودان قاطبة.
أكثر ما هزّ الوجدان هو تلك الالتفاتة الحانية لكبار السن، أهل الحل والعقد، الذين قذفت بهم ظروف الحروب أو ضيق ذات اليد أو الخلافات الأسرية إلى قارعة الطريق. إن مشهد المسن المشرد أو الطفل الهائم في الدهاليز كان يمثل منتهى الألم، لكن مبادرات “لم الشمل” والاهتمام بدور الرعاية أعادت صياغة الأمل. وهنا أوجه صوت شكر للأستاذة آسيا، مؤكداً أن المجيء متأخراً خير من عدمه، وأن المسؤولية اليوم تقتضي الحذر والحرص؛ فلا بد من قوانين رادعة تمنع ذوي النفوس الضعيفة من استغلال هذه الدور للتخلص من مسؤولياتهم، ولا بد من معالجات جذرية للأسر المتعثرة عبر التمويل الأصغر والمشاريع المنتجة، ليعود المسن إلى حضن أسرته معززاً مكرماً، ويبقى في الدار فقط من انقطعت بهم السبل ليكونوا وسط عائلة بديلة تدمج جيل الأجداد براءة الأطفال، في مزيج إنساني يستنطق ذاكرة الوطن ويحفظ إرثنا من الضياع.
إن ما يحدث في القضارف اليوم، من اهتمام بالإنسان وسعي لتمكين الضعفاء وحتى الالتفات للسجناء، هو بصيص الأمل الذي نتمسك به في وطن مكلوم. القضارف هي “مطمورة الخير” التي لا تحتاج أرضها لسماد كيميائي بقدر حاجتها لسواعد قوية تضرب في جوفها لتخرج قمحاً ووعداً وتمنياً. نحن ننتظر من هذه الولاية أن تحقق الوعد القديم بأن تكون سلة غذاء العالم، وأن تعيد التوازن للبلاد في ظل كل هذه المتغيرات. شكراً للقضارف التي بدأت تخلع ثوب الخمول، وشكراً لكل يد تمسح دمعة أو تزرع بذرة، فنحن اليوم نمد الأيادي لنقول بملء الفم: إن السودان، برغم الجراح، عائد وبقوة من بوابة القضارف الخضراء.
رؤي واصله عباس محمدنور حكايات “العائدين” من أرصفة القضارف.
