وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي أحمديان.. جدلية الحضور والغياب بين إيران والسودان

برز مؤخرًا الباحث والأكاديمي الإيراني د. حسن أحمديان عبر حضوره في عدد من القنوات الفضائية، متناولًا الحرب الأمريكية الإيرانية برؤية تحليلية لافتة، ساعيًا إلى تفكيك مواقف بلاده وقراءة السياسات الإقليمية والدولية من داخل بنيتها المفاهيمية وإطارها الاستراتيجي. ولم يقتصر على توصيفها ، بل صاغ سردية متكاملة تسعى إلى إقناع العالم بمنطلقاتها.

يُعد حسن أحمديان أكاديميًا وباحثًا إيرانيًا في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية، يُعرف بقراءاته التي تزاوج بين فهم بنية القرار السياسي في إيران وتشابكات الإقليم. ويُقدَّم في بعض المنصات بوصفه من الأصوات الشارحة للسياسات الإيرانية من داخل منطقها، بما يمنحه حضورًا في فضاء تفسير الفعل أكثر من الاكتفاء بوصفه أو تحليله.

ضمن هذا السياق، لا يبدو صعود نموذج مثل حسن أحمديان حدثًا معزولًا أو مجرد “ترند إعلامي”، بل هو انعكاس لمنظومة واعية نجحت في تحويل الخطاب إلى امتداد للقوة، وفي جعل الكلمة أداة من أدوات الاشتباك السياسي. فإيران، عبر سنوات طويلة من التراكم، لم تبنِ فقط قدراتها الصلبة، بل شيدت أيضًا بنية سردية متماسكة، تستثمر في الإنسان، وتؤطر الرسالة، وتضبط إيقاع الخطاب بما يخدم رؤيتها الاستراتيجية.

لذلك حين يظهر متحدث هادئ، متماسك الحجة، فإنه لا يمثل نفسه بقدر ما يعكس “مدرسة كاملة” تعرف كيف تدير حضورها في الفضاء الدولي.

هذا النموذج الذي حظي بالأعجاب ، لا يقوم على الحياد بقدر ما يقوم على “الانحياز الذكي” ، حيث تُقدَّم الرواية السياسية في قالب يبدو عقلانيًا وموضوعيًا، بينما يحمل في عمقه دفاعًا صلبًا عن مصالح دولته. وهنا يكمن سر التأثير: ليس في اختراع أفكار جديدة، بل في القدرة على تقديم الموقف القديم بأدوات حديثة، تبتعد عن الصخب وتقترب من الإقناع. إنها “الدبلوماسية الإعلامية”، حيث يصبح المحلل جزءًا من هندسة الصورة.

غير أن انبهار الشارع العربي بهذا النموذج لا يمكن فهمه بمعزل عن واقع الإعلام العربي، الذي ظل أسير ثنائية الخطاب الأكاديمي المنفصل عن نبض الناس، والخطاب التعبوي، الذي يفتقر إلى الحد الأدنى من الرصانة. فجاء هذا الصوت ليملأ فراغًا ظل يتسع، حتى أصبح الجمهور أكثر استعدادًا للاحتفاء به كنموذج، يجمع بين المعرفة والهدوء والقدرة على التعبير.

لكن المفارقة اللافتة كما يراها المراقبون تكمن في أن هذا الاحتفاء، في أحد أبعاده، ليس إعجابًا بالآخر بقدر ما هو احتجاج على الذات. هو تعبير عن أزمة ثقة في النخب العربية، وعن شعور متراكم بأن الصوت العربي لم يعد قادرًا على تمثيل قضاياه بالكفاءة المطلوبة ولا الحجة المنطقية. لأنه أصبح مشتت بين الانحياز الأعمى أو الارتهان للخارج.

وعند نقل هذه المقارنة إلى الحالة السودانية، تتجلى الفجوة بصورة أكثر حدة. فالسودان الذي يواجه حربًا وجودية تتداخل فيها الأطماع الإقليمية والدولية مع تعقيدات الداخل، لم ينجح حتى الآن في إنتاج رواية متماسكة تعبر عنه في الفضاء الدولي. ليست المشكلة في غياب الكفاءات، فالسودان زاخر بالعقول القادرة، بل في غياب “المركز الذي يصوغ المعنى”، وفي افتقاد التناغم بين القرار السياسي والخطاب الإعلامي.

الخطاب السوداني، في كثير من تجلياته، ظل حبيس ردود الأفعال، أو ربما الانقسام، يلهث خلف الحدث بدل أن يسبقه، ويشرح الوقائع بدل أن يحدد إطار فهمها. وفي لحظة كهذه، حيث تتشكل السرديات بسرعة وتترسخ الانطباعات قبل الحقائق، يصبح هذا التأخر مكلفًا، لأنه يفتح المجال لروايات أخرى كي تملأ الفراغ، غالبًا بما لا يخدم المصالح الوطنية.

لا يمكن فصل هذا القصور عن طبيعة البيئة الدولية التي تُدار فيها المعركة الإعلامية، فالفضائيات رغم ما تبديه من حياد، تتحرك داخل شبكة من المصالح والتوازنات، حيث يُنتقى الضيوف وتُرسم زوايا النقاش وفق اعتبارات تتجاوز المهنية، وقد تقترب أحيانًا من التواطؤ . وفي مثل هذا الفضاء المخزي، لا حضور مؤثر إلا لمن يمتلك خطابًا قويًا ومتماسكًا.

في حالة السودان، يتضاعف التحدي، لأنه لا يُنظر إليه – حتى الآن – كفاعل مركزي في إعادة تشكيل الإقليم، بل كساحة مفتوحة لإعادة الترتيب. وهذا الفارق ينعكس مباشرة على طبيعة الحضور الإعلامي: فالدول الفاعلة تُستضاف لتشرح موقفها، أما الدول التي يُتنازع عليها يغيب صوتها.

من هنا فإن السؤال عما إذا كان الإشكال في ضعف الخطاب أم في المنصات، لا يمكن الإجابة عليه بخيار واحد. نحن أمام تداخل معقد بين قصور داخلي في إنتاج الرواية، وبيئة خارجية لا تمنح الفرص الحقيقية . غير أن الثابت في كل ذلك أن الفراغ لا يبقى فارغًا، فإذا لم تروِ الدولة قصتها بنفسها، سيتولى الآخرون كتابتها، وفق مصالحهم وتصوراتهم.

تجدر الإشارة، من زاوية منهجية، إلى أن المقارنة بين الحالتين الإيرانية والسودانية لا تنطلق من أي فرضيات تتعلق بنموذج الحكم، داعم أو ضد أو تقييم التجربة السياسية واحدة او مختلفة، أو موقع إيران كقوة إقليمية، ولا تهدف إلى أي إسقاطات مرتبطة بأطروحات النفوذ أو التماهي أو الاصطفاف الايدولجي. كما أنها لا تُبنى على قراءة معيارية لأي طرف.

تُفهم هذه المقارنة في إطار تحليل “سوسيولوجيا الحرب” وإنتاج السرديات داخل بيئة الصراع ، التي أعيد تشكيل كثير من عناصرها ضمن تحولات بنيوية أكبر في الإقليم، يجري رسمها من منطلقات صراع النفوذ. وهي تحولات لا يمكن فصلها عن تصورات تشكيل منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، كجزء من شبكة أوسع من التأثيرات المتقاطعة.

ومن هذا المنظور، لا تصبح المقارنة بين إيران والسودان مقارنة بين “نماذج سياسية”، بل بين بنيتين مختلفتين في إدارة الصراع داخل بيئات يحاول اعادة تشكيلها، حيث تتقاطع آليات إنتاج الفوضى، وإدارة التأثير.

في العمق وبحسب #وجه_الحقيقية تكشف هذه المقارنة أن الفارق بين إيران والسودان لا يكمن فقط في موازين القوة، بل في القدرة على تحويل تلك القوة – أو حتى التحديات – إلى خطاب مقنع. فإيران استطاعت أن تجعل من الحرب جزءًا من سردية الصمود، وأن تحول الضغوط إلى تماسك ، بينما لا يزال السودان يبحث عن اللغة التي يقدّم بها أزمته للعالم.
دمتم بخير وعافية.
السبت 11 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com

Exit mobile version