”صيف السودان الزراعي.. وعود رسمية رمادية وحقول بلا سماد.”
بين تفاؤل المسؤولين ومعاناة الحقول: أزمة “الأسمدة” والتمويل تُهدد بفشل العروة الصيفية في السودان.
العروة الصيفية في مهب الريح: تفاؤل البنك الزراعي يصطدم بـ “صفرية” القدرات المالية للمنتجين.
”مواقيت الأرض لا تنتظر المصارف: أزمة الأسمدة تضع الأمن الغذائي للسودان على حافة الهاوية.”
”بين وعود “الخرطوم” وعطش “الجزيرة”: البيروقراطية الحكومية تُفخخ الموسم الزراعي في السودان.”
”إنقاذ العروة الصيفية: هل يكون القطاع الخاص الملاذ الأخير لكسر حصار الأسمدة والبيروقراطية؟”
الخرطوم: تقرير: محمد مصطفى
رغم نبرة التفاؤل والوعود البراقة التي أطلقها وزير الزراعة والغابات برفقة المدير العام للبنك الزراعي السوداني، في المؤتمر الصحفي الأخير بدار الشرطة حول تحضيرات الموسم الزراعي الجديد ودخول العروة الصيفية لعام 2026، إلا أن الواقع على الأرض في المشاريع الإنتاجية الكبرى يروي قصة أخرى بالغة القتامة.
فبين التصريحات الرسمية التي تحدثت عن جاهزية الدولة والبنك للتمويل، وشكاوى المزارعين في حقول “الجزيرة” و”الرهد” من غياب مدخلات الإنتاج الأساسية، تتسع الفجوة وتتصاعد المخاوف من كارثة غذائية وشيكة قد تعصف بالبلاد.
المزارعون يطلقون جرس الإنذار: وعود بلا رصيد
في استطلاع ميداني مع عدد من المزارعين بمشروعي الجزيرة والرهد، عبّر المنتجون عن بالغ قلقهم جراء عدم فتح اعتمادات مالية للمزارعين لاستيراد تقاوي الزراعة والأسمدة، مشيرين إلى أن البنك الزراعي لم يوفر الأسمدة حتى اللحظة بالرغم من ضيق الوقت الحرج للعروة الصيفية.
وفي هذا السياق، يقول المزارع محمد الأمين (من تفتيش مكتب الهدى بمشروع الجزيرة):
”إن عدم توفر الأسمدة، خاصة سماد الداب (تمت مراجعتها علمياً حيث لا يوجد سماد يُدعى اليود للزراعة)، سيؤدي حتماً إلى ضعف المحصول وظهور الآفات الزراعية التي تتلف الزرع بالكامل. الأسمدة ضرورية جداً لتقوية النبات والقضاء على هذه الآفات، وبصورة أخص آفة (البودا) التي تفتك بمحصول الذرة الذي يمثل القوت الرئيسي لأهل السودان”.
ومن جانبه، يرى المزارع الطيب الزبير (من تفتيش مكتب الفوار بمشروع الجزيرة) أن الموسم الزراعي الحالي بات مهدداً بالفشل التام:
”العروة الصيفية في خطر حقيقي إن لم يتم توفير سماد (اليوريا). البنك الزراعي تعهد قبل نحو أسبوعين بتوفير هذه المدخلات، ولكن حتى الآن لم نجد شيئاً على أرض الواقع. نطالب إدارة مشروع الجزيرة ومحافظ المشروع بالإسراع فوراً في استيرادها قبل فوات الأوان، فالزراعة مواقيت لا تنتظر البيروقراطية”.
البنك الزراعي: تفاؤل “المنصات” يصطدم بالواقع الصعب
وكان المدير العام للبنك الزراعي السوداني، صلاح محمد عبد الرحيم، قد رسم في المؤتمر الصحفي صورة وردية لعودة البنك بقوة لتمويل القطاع، معلناً حل أزمة رأس المال التي كانت تمثل العقبة الأكبر. إلا أن قراءة الواقع المصرفي والإنتاجي تكشف عن تحديات معقدة خلفتها الحرب؛ حيث انقطعت سلاسل الإنتاج والنقل والتسويق، ونزح آلاف المزارعين.
أضف إلى ذلك أزمة “إعسار المزارعين” المتراكمة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف العائد الاقتصادي، وتوقف النشاط في مناطق عدة، مما أدى إلى اتساع فجوة الثقة بين البنك وعملائه بسبب بطء الإجراءات وتعقيدات الضمانات. إن استمرار سياسات الضغط التقليدية لتحصيل المديونيات دون مراعاة لظروف الحرب سيزيد الطين بلة، والرهان اليوم هو تحويل هذا التفاؤل المعلن إلى “سيولة نقدية” يشعر بها المزارع البسيط في حقله.
أزمة السماد: أرقام مخيفة وضغوط دولية
تعتبر الأسمدة (خاصة اليوريا والداب) عصب نجاح العملية الزراعية، ولا بديل محلياً لها بعد توقف الإنتاج الوطني الضعيف أصلاً. يحتاج السودان سنوياً ما بين 400 إلى 500 ألف طن من الأسمدة لتأمين موسم زراعي ينتج أكثر من 6 ملايين طن من الحبوب.
لكن العجز الحالي يبدو مخيفاً؛ إذ تفاقمت الأزمة محلياً بسبب عدم إيفاء المصارف بالتمويل رغم التعهدات.
ما هي البدائل؟ الجوع لا ينتظر!
أمام هذا البطء الحكومي والتأزم الإقليمي، يبرز السؤال الجوهري: ما هي البدائل الاستراتيجية التي أعدها مجلس الوزراء وبنك السودان المركزي لمواجهة آثار إغلاق مضيق هرمز؟
يرى مراقبون واقتصاديون أن الحل الوحيد المتبقي للحاق بالموسم الزراعي قبل انفراط مواقيته يتلخص في خطوة واحدة: فتح باب استيراد الأسمدة فوراً عبر شركات القطاع الخاص.
يمتلك القطاع الخاص السوداني الخبرة، ورؤوس الأموال، والعلاقات الخارجية المرنة، والقدرة على التحرك السريع بعيداً عن كبح البيروقراطية الحكومية. ورغم أن هذا الخيار قد يتسبب في زيادة تكاليف الإنتاج – مع وضع أزمة الوقود في الاعتبار – إلا أن كلفة الإنتاج العالية تظل خياراً أفضل بآلاف المرات من انعدام الغذاء التام. إنها خطوة تسد منافذ الجوع، وتنزع كارت الضغط السياسي الخارجي عن كاهل الدولة.
خاتمة:
إن إغلاق مضيق هرمز كان جرس إنذار مبكر، ومع ذلك لم تفلح الحكومة في وضع البدائل بالمواقيت الصحيحة. وليس من المنطق أن تعجز دولة بحجم السودان عن تدبير 200 مليون دولار لإنقاذ موسم يسد رمق شعبها، ويضخ لاحقاً مليارات الدولارات في خزينة الدولة كقيمة مضافة.
على الدولة أن تتدخل اليوم قبل الغد على أعلى المستويات.. فأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً.. ويبقى الشعار الملحّ حالياً: “الجوع لا ينتظر البيروقراطية”.
