جامعة السودان بالتعاون مع «جياد» تقود جهود توطين السيارات الكهربائية

بحوث محلية لمواجهة حرارة المناخ.. وتخصصات جديدة للبطاريات والشحن والصيانة

الخرطوم: حفية نورالدائم

لم يعد التحول نحو السيارات الكهربائية في السودان مشروعاً صناعياً محدوداً بإنتاج مركبة جديدة، وإنما بدأ يتشكل كمسار أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين البحث العلمي والصناعة والطاقة، مع بروز جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا كأحد المحاور الرئيسية في الجهود الرامية إلى توطين هذه التكنولوجيا وتكييفها مع البيئة والاحتياجات المحلية.
وجاءت الورشة المتخصصة حول مستقبل المركبات الكهربائية في السودان، التي نظمتها جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا بالتعاون مع مجموعة جياد للصناعات الهندسية، لتضع ملف السيارات الكهربائية في إطار يتجاوز الاستيراد والتجميع، إلى بناء منظومة وطنية تشمل البحث والتطوير، وتأهيل الكوادر، وتصنيع المكونات، وتطوير البطاريات وأنظمة الشحن والصيانة، وربط مخرجات الجامعات باحتياجات القطاع الصناعي.
وتكتسب الخطوة أهمية خاصة في وقت بدأت فيه مجموعة جياد للصناعات الهندسية الانتقال بالمركبات الكهربائية من مرحلة الفكرة إلى التطبيق، عبر تدشين أول مركبة كهربائية، والإعلان عن خطط لتطوير التكتك والركشة والموتور والدراجة الكهربائية، إلى جانب العمل مستقبلاً على مشروع الجرار الكهربائي.
الجامعة.. من التعليم إلى الشراكة الصناعية
وضع مدير جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، الأستاذ الدكتور عيسى بشير محمد، الشراكة بين المؤسسات الأكاديمية والقطاع الصناعي في صدارة متطلبات توطين المعرفة والتكنولوجيا، مؤكداً أن الجامعات ينبغي ألا تظل بمعزل عن المشكلات الفنية التي تواجه الصناعة.
ودعا إلى إنشاء حاضنات ومسرعات أعمال داخل الجامعات لاستقبال التحديات الصناعية والعمل بصورة مشتركة على تطوير حلول قابلة للتطبيق، بما يحول البحث العلمي من نشاط أكاديمي إلى أحد محركات الإنتاج والتطوير الصناعي.
ويمثل هذا التوجه أحد أهم مداخل توطين السيارات الكهربائية، إذ إن الصناعة الجديدة تحتاج إلى تخصصات متعددة تشمل الهندسة الكهربائية والإلكترونية والميكانيكية، والبرمجيات، وأنظمة التحكم، والبطاريات، والطاقة المتجددة، فضلاً عن فنيي الصيانة والتشغيل.
وبرز خلال الورشة مقترح بإعادة تشغيل وحدة تصنيع الخلايا الشمسية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا وربطها بالبحث العلمي والاستثمار، بما يفتح مجالاً لتكامل الطاقة الشمسية مع منظومة النقل الكهربائي، خصوصاً في ظل اتساع الموارد الشمسية في السودان وتحديات إمدادات الكهرباء.
جياد.. بداية المسار الصناعي
على الجانب الصناعي، تمثل خطوة جياد نقطة انطلاق عملية نحو بناء سوق سودانية للمركبات الكهربائية. وقال المدير التنفيذي لشركة جياد، عبدالله عبدالمعروف محمد، إن مشروع المركبة الكهربائية بدأ قبل اندلاع الحرب بأكثر من عام، وإن تدشين المركبة يمثل بداية لمسار جديد في صناعة المركبات.
وأشار إلى أن المجموعة تعمل على تطوير التكتك والركشة والموتور والدراجة الكهربائية، إلى جانب مشروع الجرار الكهربائي، في اتجاه يستهدف مواءمة المنتجات مع طبيعة الاستخدامات المحلية واحتياجات السوق.
وأكد استعداد جياد لتمويل البحوث التطبيقية المرتبطة بالمركبات الكهربائية والطاقة الشمسية، ودعم الطلاب والباحثين في هذه المجالات، بما يعزز فرص تحويل الأفكار والبحوث الجامعية إلى منتجات صناعية.
ويعني ذلك أن الشراكة بين جياد والجامعة يمكن أن تنتقل من الإطار النظري إلى مشاريع محددة تتعلق بالبطاريات، وأنظمة التبريد، والشحن، والإلكترونيات، وتصميم المركبات، وإعادة تأهيل المكونات، وهي ملفات تمثل جوهر التحدي أمام الصناعة الكهربائية.
حرارة السودان تختبر التكنولوجيا
غير أن الطريق إلى توطين السيارات الكهربائية لن يكون خالياً من التحديات. وتأتي درجات الحرارة المرتفعة في مقدمة الاختبارات التي تواجه هذه التكنولوجيا في السودان.
وحذر الدكتور بدوي آدم بدوي، من جامعة كرري، من التعامل مع المركبات الكهربائية باعتبارها تكنولوجيا يمكن نقلها إلى السودان دون تعديلات أو اختبارات محلية، داعياً الجامعات ومراكز البحث العلمي إلى إجراء دراسات تطبيقية تقيس أداء البطاريات في الظروف المناخية السودانية.
وتترك الحرارة المرتفعة تأثيراً على كفاءة البطاريات وعمرها التشغيلي، الأمر الذي يجعل أنظمة التبريد من الملفات الأساسية التي تحتاج إلى بحث وتطوير محلي.
وأشار بدوي إلى أن مدى المركبات الكهربائية يختلف وفق نوع المركبة وسعة البطارية، وأن بعض الطرازات الحديثة يمكن أن تقطع مسافات تصل إلى نحو 500 كيلومتر بالشحنة الواحدة، إلا أن المعيار الحقيقي في السودان سيكون قدرة المركبة على الحفاظ على أدائها في الظروف المناخية المحلية.
ومن هنا تبرز أهمية الجامعات في اختبار التكنولوجيا قبل تعميمها، بدلاً من الاكتفاء بالمواصفات التي تقدمها الشركات المصنعة في بيئات مناخية مختلفة.
الشمس.. مصدر شحن محتمل
في المقابل، يمتلك السودان ميزة يمكن توظيفها لصالح التحول الكهربائي تتمثل في وفرة الطاقة الشمسية.
ودعا متخصصون إلى دراسة إنشاء محطات شحن تعمل بالطاقة الشمسية، بما يقلل الضغط على الشبكة الكهربائية ويتيح ربط النقل الكهربائي بمصدر متجدد للطاقة.
ولا تقتصر أهمية هذا الخيار على توفير الكهرباء للشحن، بل يمكن أن يخلق سلسلة صناعية جديدة تشمل الألواح الشمسية، والبطاريات، وأنظمة التخزين، ومحطات الشحن، وأجهزة التحكم، والصيانة.
وبذلك يمكن للسيارة الكهربائية أن تصبح جزءاً من منظومة أوسع للطاقة النظيفة، بدلاً من أن تكون مجرد مركبة تستبدل الوقود بالكهرباء دون معالجة مصادر الطاقة المستخدمة في تشغيلها.
البطارية.. قلب المعادلة الاقتصادية
وتظل البطارية واحدة من أكبر التحديات الاقتصادية والفنية أمام انتشار المركبات الكهربائية، باعتبارها من أهم مكونات تكلفة المركبة وأكثرها ارتباطاً بالأداء والعمر التشغيلي.
ودعت مداخلات الورشة إلى توجيه البحث العلمي نحو رفع كفاءة البطاريات وخفض تكلفتها، وإيجاد تقنيات تتناسب مع ظروف التشغيل في السودان.
كما طرحت المداخلات تطوير أنظمة التبريد، بما في ذلك التبريد المائي، باعتبارها أحد الحلول الممكنة للتعامل مع ارتفاع درجات الحرارة والمحافظة على كفاءة البطاريات والمكونات الإلكترونية.
وتبرز هنا أهمية تحويل الجامعات إلى معامل اختبار حقيقية للتكنولوجيا، تستطيع قياس أداء البطاريات والمكونات في البيئة المحلية، وتقديم توصيات للصناعة حول التصميم والتشغيل والصيانة.
التشريع يسبق الانتشار
ولا يمكن للصناعة الكهربائية أن تتوسع في غياب إطار تنظيمي واضح. وأكد ممثل الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، الدكتور محمد سمير، أهمية الإسراع في وضع التشريعات والسياسات اللازمة للتحول نحو المركبات الكهربائية.
وأوضح أن الهيئة بدأت العمل على مواصفات خاصة بالمركبات الكهربائية منذ عام 2019، قبل أن تتوقف العملية خلال فترة الحرب وتُستأنف في 2025.
وتشمل عملية التنظيم تصنيف المركبات وفق السرعات وقدرات المحركات، بما يتيح تحديد طبيعة استخدامها ومتطلبات السلامة الخاصة بها.
وتبرز الحاجة كذلك إلى وضع آليات واضحة لاستيراد البطاريات والمكونات الإلكترونية، واختيار الموردين، وضمان توافر قطع الغيار، إلى جانب تحديد معايير السلامة والصيانة والشحن.
التعليم الفني.. الحلقة المفقودة
ومن أبرز المقترحات التي طرحتها الورشة إدخال تخصصات السيارات الكهربائية ضمن برامج التعليم الفني والجامعي، بدءاً من مستويات الدبلوم لإعداد الفنيين، وصولاً إلى المستويات الأكاديمية العليا.
ويشمل ذلك توجيه مشاريع التخرج والبحوث الجامعية نحو المشكلات الفعلية التي تواجه الصناعة، بدلاً من انفصال النشاط البحثي عن احتياجات السوق.
وتحتاج الصناعة الكهربائية إلى فنيين متخصصين في البطاريات، والمحركات الكهربائية، وأنظمة التحكم، والإلكترونيات، والشحن، والتشخيص والصيانة. وبالتالي فإن بناء هذه الكوادر يمثل استثماراً لا يقل أهمية عن استيراد المعدات والمركبات.
من الاستيراد إلى التوطين
وشددت الورشة على أن نجاح التحول الكهربائي لا يمكن قياسه بعدد المركبات التي تدخل السودان، وإنما بقدرة البلاد على بناء منظومة محلية متكاملة.
وتشمل هذه المنظومة تطوير القدرات في تصنيع وصيانة المركبات، وتوفير قطع الغيار ومكونات البطاريات، وإنشاء مراكز بحثية متخصصة، وربط الجامعات باحتياجات القطاع الصناعي.
كما دعت المقترحات إلى إدخال المركبات الكهربائية بصورة تدريجية إلى السوق، مع البدء بالفئات التي تتناسب مع طبيعة الاستخدام المحلي، مثل التكاتك والركشات والدراجات ووسائل النقل العام، ثم التوسع تدريجياً وفق جاهزية البنية التحتية وتوافر الخدمات الفنية.
ويحمل هذا النهج أهمية اقتصادية، لأن الاعتماد الكامل على الاستيراد قد يحول السودان إلى سوق استهلاكية جديدة للتكنولوجيا الكهربائية، دون أن يحقق القيمة المضافة المرتبطة بالتصنيع والبحث والصيانة.
فرصة لإعادة بناء الصناعة
وتتجاوز تجربة السيارات الكهربائية حدود قطاع النقل، لتفتح أمام السودان فرصة لإعادة بناء جزء من قاعدته الصناعية على أسس تكنولوجية جديدة.
فالمركبة الكهربائية ترتبط بصناعات متعددة تشمل البطاريات والإلكترونيات والطاقة الشمسية والبرمجيات وأنظمة التحكم ومحطات الشحن والصيانة، ما يعني إمكانية خلق منظومة إنتاجية جديدة إذا جرى توجيه الاستثمارات والبحوث نحو المكونات ذات القيمة المضافة.
وفي هذا السياق، تبدو جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا مؤهلة للعب دور محوري باعتبارها جسراً بين المعرفة الأكاديمية والاحتياجات الصناعية، خصوصاً مع المقترحات المتعلقة بالحاضنات ومراكز البحث وإعادة تشغيل وحدة تصنيع الخلايا الشمسية.
من تدشين المركبة إلى بناء المنظومة
وتضع تجربة جياد والورشة العلمية التي احتضنتها جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا السودان أمام مرحلة جديدة: الانتقال من الحديث عن السيارة الكهربائية إلى بناء منظومة وطنية حولها.
فالخطوة المقبلة لا ينبغي أن تتوقف عند تدشين المركبة، وإنما تبدأ بتحويل المقترحات إلى برامج بحثية، والبحوث إلى نماذج أولية، والنماذج إلى منتجات، والمنتجات إلى صناعة قادرة على الاستمرار والمنافسة.
وفي هذا المسار، تصبح الجامعة أكثر من مؤسسة للتعليم؛ فهي معامل للبحث والتطوير، وحاضنة للابتكار، ومصدر للكوادر، وشريك مباشر للصناعة.
وبينما تمثل حرارة المناخ أحد أكبر الاختبارات أمام المركبات الكهربائية، فإنها في الوقت نفسه تضع البحث العلمي السوداني أمام فرصة لإنتاج حلول محلية يمكن أن تمنح الصناعة ميزة تنافسية.
وإذا نجح السودان في الربط بين جامعة تقود البحث العلمي، وصناعة تستثمر في التطوير، وطاقة شمسية توفر مصدراً مستداماً للشحن، وتشريعات تنظم السوق، فإن السيارة الكهربائية يمكن أن تتحول من منتج مستورد إلى مدخل لصناعة وطنية جديدة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي ليس في إنتاج أول سيارة كهربائية، وإنما في بناء المعرفة التي تجعل إنتاج المركبة وتطويرها وصيانتها وتوطين مكوناتها ممكناً ومستداماً داخل السودان.

Exit mobile version