الفندق الكبير.. حين يبدأ إعمار الخرطوم من ذاكرة النيل كتب: محمد عثمان الرضي

✦ ليست كل الجدران حجارة، ولا كل المباني صامتة؛ فبعض الصروح تختزن في أعمدتها وأبوابها ما تعجز الكتب عن روايته. وعلى ضفة النيل، في قلب الخرطوم، يقف الفندق الكبير منذ عام 1902 شاهداً على أكثر من قرن من تحولات المدينة، مرّت من أبوابه الملكة البريطانية إليزابيث الثانية، ورؤساء ودبلوماسيون وكبار رجالات الدولة، وعبر أروقته أدباء وشعراء ومثقفون. ثم جاءت الحرب، فامتدت يد الخراب إلى المبنى، ونهبت مقتنياته، وأصابت بنيته الداخلية، لكن الصرح العتيق يستعد اليوم لاستعادة أنواره. وربما لا تكمن قيمة عودته في الفندق وحده؛ فحين يُعاد فتح مبنى بهذا العمر في قلب العاصمة، فإن الأمر يبدو كأنه حجرٌ أول في جدار إعمار الخرطوم واسترداد وجهها الذي غيبته الحرب.

✦ شُيّد الفندق عام 1902، ليصبح واحداً من أعرق المباني التاريخية في الخرطوم، ومن الصروح التي عاصرت مراحل مبكرة من تشكل العاصمة الحديثة. وموقعه إلى جوار معالم تاريخية مثل وزارة المالية والقصر الجمهوري يمنحه قيمة تتجاوز وظيفته الفندقية، ويضعه ضمن النسيج العمراني الذي يحكي نشأة المدينة وتطور مؤسساتها.

✦ وعلى امتداد أكثر من مئة عام، لم يكن الفندق مجرد عنوان للإقامة، بل كان إحدى واجهات الخرطوم أمام العالم. فيه تداخلت الضيافة بالدبلوماسية، واستقبلت قاعاته ضيوفاً حملوا إلى المدينة أسماءهم ومواقعهم، ثم غادروا وبقي المكان شاهداً على مرحلة من تاريخ السودان.

✦ ومن أبرز صفحات ذلك السجل استضافة الملكة البريطانية إليزابيث الثانية، إلى جانب رؤساء وشخصيات دولية وكبار رجالات الدولة الذين زاروا السودان، فضلاً عن الأدباء والشعراء والمثقفين. وهكذا اكتسب الفندق مكانة جعلت من أروقته جزءاً من الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للعاصمة.

✦ ولم تكن قيمة تلك الاستضافات في شهرة أصحابها فحسب، وإنما في دلالة المكان نفسه؛ فالفندق كان يمثل في زمنه صورة الخرطوم وهي تستقبل ضيوفها، وتقدم لهم نموذجاً من ضيافتها وعمارتها وحضورها الحضري. كان جزءاً من عاصمة تنظر إلى النيل بوصفه واجهةً وذاكرةً وطريقاً إلى العالم.

✦ ثم جاءت الحرب، فأصابت الخرطوم في عمرانها ومرافقها، ولم يكن الفندق الكبير استثناءً. فقد تعرض لدمار واسع، وسُرقت مقتنياته، من السيارات إلى أواني الطبخ وغيرها من التجهيزات، كما لحقت أضرار بشبكته الداخلية وتوصيلات الكهرباء، فتوقف المكان عن أداء دوره الذي ظل يمارسه لعقود طويلة.

✦ لكن إعمار المدن لا يبدأ دائماً بالمشروعات العملاقة؛ أحياناً يبدأ من مبنى قديم يستعيد نوافذه، ومن شارع تعود إليه الحركة، ومن مرفق تضاء مصابيحه بعد انقطاع. ولهذا فإن إعادة تأهيل الفندق تحمل معنى يتجاوز جدرانه، لأنها تضع أحد معالم وسط الخرطوم مجدداً على خريطة الحياة.

✦ وتعود ملكية الفندق مناصفة بين مجلس السيادة ووزارة المالية الاتحادية، الأمر الذي يجعل الحفاظ عليه وتطويره مسؤولية مؤسسية لا تنفصل عن مسؤولية الدولة في حماية المباني التاريخية وإدماجها في مشروع إعادة بناء العاصمة.

✦ وقد بدأت أعمال الصيانة العاجلة لإعادة الفندق إلى الخدمة، وتشمل الغرف وملحقاتها ومعالجة الأضرار التي لحقت بالبنية الداخلية. وهي أعمال تبدو فنية في تفاصيلها، لكنها في سياق الخرطوم الأوسع تمثل جزءاً من عملية استعادة المرافق التي عطلتها الحرب وإعادة الحياة إلى المدينة بالتدرج.

✦ ومن المنتظر أن يستقبل الفندق نزلاءه خلال الأسبوع المقبل بعد استكمال أعمال الصيانة. وعودة النزلاء إلى غرف الفندق ليست مجرد عودة للنشاط التجاري؛ إنها عودة للحركة إلى أحد المواقع التي كانت يوماً جزءاً من المشهد الحضري للعاصمة، وإشارة إلى أن الخرطوم يمكن أن تستعيد وظائفها ومرافقها واحداً بعد الآخر.

✦ واختيار اللواء المتقاعد عبدالمنعم عبدالمحمود الحسن مديراً عاماً للفندق جاء مستنداً إلى خبرته التراكمية في إدارة الفنادق. وخلال فترة قصيرة استطاع أن يضع بصماته الأولى في إعادة ترتيب أوضاع المنشأة والدفع باتجاه استعادة جاهزيتها، في مهمة تتطلب إدارة تعرف خصوصية المكان ولا تتعامل معه كمنشأة تجارية عادية.

✦ فإدارة الفندق في مرحلة ما بعد الحرب ليست مجرد تشغيل غرف ومطاعم؛ إنها جزء من اختبار أكبر يتعلق بكيفية إعادة تشغيل مؤسسات المدينة مع الحفاظ على هويتها. المطلوب أن يعود الفندق إلى الخدمة الحديثة دون أن يفقد ملامحه التي جعلت منه واحداً من شواهد الخرطوم القديمة.

✦ وإذا كان الفندق قد استقبل في الماضي ملوكاً ورؤساء ودبلوماسيين وأدباء وشعراء ورجال دولة، فإنه اليوم يستقبل مرحلة مختلفة من تاريخ السودان؛ مرحلة إعادة البناء. ومن هنا يمكن أن يصبح الفندق نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه إعمار الخرطوم: استعادة للمرافق، وصيانة للتراث، وإعادة للحياة، لا مجرد إزالة لآثار الدمار.

✦ فالمدينة التي فقدت خلال الحرب كثيراً من مبانيها ومرافقها تحتاج إلى إعمار يحفظ ما يمكن إنقاذه، ويعيد توظيف ما يمكن تشغيله، ويصون ما لا يمكن تعويضه. والفندق الكبير، بعمره الممتد إلى عام 1902، ينتمي إلى الفئة الأخيرة؛ فإعادة بنائه بمعناه الحقيقي ليست استعادة لمبنى فقط، وإنما حماية لجزء من شخصية العاصمة.

✦ ولذلك فإن إضاءة الفندق الكبير من جديد على شارع النيل قد تبدو في ظاهرها مجرد عودة فندق إلى الخدمة، لكنها في معناها الأبعد واحدة من علامات عودة الخرطوم إلى الحياة. فإعمار المدن لا يُقاس بعدد المباني التي ترتفع، وإنما بقدرتها على استرداد روحها. والفندق الذي صمد قرناً أمام تبدل العهود، لن يكون شاهداً على ما هدمته الحرب فقط؛ بل يمكن أن يصبح شاهداً على ما ستبنيه الخرطوم بعدها.

Exit mobile version