أواخر الأسبوع المنصرم كنا ضيوفاً على والي نهر النيل الحبيب المثقف الأديب ود البلد محمد البدوي أبو قرون ، مجموعة من الصحفيين من أصحاب الكلمة الرصينة والحضور الباهي ،
جئنا بكل حضورنا لنسمع ونتابع تفاصيل قيادة نهر النيل الولاية الصعبة في في مرحلة أصعب والزمان حرب .
استقبلنا الوالي أيما استقبال وأكرم وفداتنا وبدأ اللقاء في أجواء من الرصانة والإجادة ،
أفراد المراسم في غاية الترتيب ، ولفت نظري سيدة بالمراسم تقوم بواجبها كما يجب في تجليسنا والتعب لراحتنا ، عاملنا الجميع بترحاب باذخ سيكون محفوراً في ذاكرة الوفاء والتبجيل النبيل لنهر النيل.
بعد الترحاب الرصين بوفدنا ، عدد الوالي الأدوار المطلوبة من الإعلام الوطني ، وحين بدأ في سرد مجمل الأوضاع في نهر النيل من يوم دقت الطلقة لم يترك الوالي شاردة ولا واردة إلا وذكرها باعتبار الإعلام الوطني شريك فاعل في معركة الكرامة وهو الموقف الذي سالت عنده أحبارنا ومشت فيه خطانا غير مبدلين .
وكغيرها من الولايات الآمنة في زمن النزوح فتحت نهر النيل أبوابها مشرعة للفارين من ويلات الحرب القاسية ، حتى أن المغتربين سلموا بيوتهم من غير منّ ولا أذى لإخوانهم من كل الولايات ولأن نهر النيل بلد عفة وكاسيها العفاف رأت حكومة الولاية أن تفتح مساكن السكن الشعبي للأسر الوافدة بكل طيب خاطر ، دليلهم (مقنع الكاشفات) .
نهر النيل التي كانت بها فقط عدد 4 أو يزيد من المصانع اليوم تضج بأكثر من 300 مصنع وحققت وفرة في الوظائف قال عنها عضو المجلس السيادي الفريق ركن مهندس مستشار إبراهيم جابر أن نهر النيل ليس بها عاطلاً وهي شهادة تكريم لجهود نهر النيل.
في مجال التعليم لم تتأخر نهر النيل ولا يوماً واحد حيث انتظمت الدراسة فيها رغم كل المعوقات ، بل نهر النيل استضافت بكرم فياض كل جامعات السودان التي نزحت هي أيضاً بفعل الحرب ، فاحتضنت جامعات وادي النيل والشيخ البدري والكليات الخاصة المكاتب والفروع لجامعات السودان ،
بل إن وزارة التربية والتعليم الاتحادية أخذت موقعاً ، واستضافت الولاية أعمال كنترول الشهادة الثانوية (السودانية) كدعم واضح من نهر النيل حكومة وشعب الولاية لقصة صمود الدولة وتحقيق معنى السيادة ومقاومة مشروع التفتيت ،
فماذا يضير البدوي أبو قرون نعيق البوم ؟.
والبوم و نعيقه في المخيلة الشعبية والموروث الثقافي العربي رمزاً للشؤم، النحس، وخراب الديار ، حيث كان يُنظر إليه كطائر مخيف يربطه الناس بالأخبار السيئة والفال السيئ ، فصارت نذير شؤم حتى يومنا هذا غير أن الغراب هو نذير الشؤم الأشهر ولعلكم تعلمون .
جلسنا إلى الرجل وهو العالم بأمور ولايته ، جمع المستشارين والوزراء حتى نائب الوالي جلس بأدب جم يستمع إلى مداخلات الحضور .
ولأننا كنا في طريق سفر فضلنا مواصلة طريقنا عقب اللقاء إلى وجهتنا ، رغم إصرار الوالي أن نبيت في داره قصر الضيافة التي أعادت حكومة الولاية تأهيلها كدرة لامعة ، إستاذنا بلطف على وعد أن نزور الولاية في قادم المواعيد .
لأول مرة أكتشف أنني أمام عالم بعلوم وفنون الإدارة ، ويمنع بذكاء ودهاء الساسة الكبار ، ويمنع بذخيرة وارفة ، غير أن المفردة ، (تذكرت عبور الأفكار) ، عنده مترعة ببساطة وجزالة المعنى ، بسيطة معطونة في طين الجروف، تشعرك الوفاء وتفتح في مخيلتك لقاء أهلك وناسك ، ناسي نهر النيل .
كلمات الوالي حول الإستراتيجية التي اتبعتها حكومته وعملت على تنفيذها كشفت جانب كبير كان غائباً ، الجانب المعرفي الذي يتمتع به أبو قرون ممزوجاً بخبرته الإدارية كضابط تنفيذي رضع فنون الإدارة من الأفذاذ وصقلته عطبرة الحديد والنار وأبهرته منظومة السكة الحديد ( فكلنا في الهوى سوا ) ( بهرتني صورة عطبرة ، محطة الوطن الكبير )) . ، فأخذ من معينها الانضباط والالتزام والولاء ، وهي صفات أهل نهر النيل الكرماء أحفاد الملوك الذين لم يخذلوا السودان يوماً وكانوا كما النيل والنيل والنخيل عزة وشموخ وإعتزاز .
وكما قال الفنجري قيقم :- داير أغنيلو ناسي نهر النيل الشكر هيلم.. داير أجر النم الجنـس فرسـان.. مابـعرفوا الخوف ديـل يلاقـو النـد.. لو صـفوف وصـفوف .
اطلعنا الوالي على ما تم في الثقافة و الرياضة والفنون ، فاستضافت الولاية دوري النخبة السوداني ، وتستضيف مجموعة الشمال في منافسات الدوري الممتاز ، واستضافت الإذاعة القومية هنا أمدرمان وإذاعة القوات المسلحة ، هذا في ظروف البلد المعلومة ، بل إن توفير الولاية لمرتبات العاملين بالولاية وتسكين أكثر من ثلاثة آلاف موظف وافد في مرافق الولاية بنثريات مجزية كان بمثابة ترياق صمود للكوادر الوطنية في مواجهة تجريف الاغتراب وسد ثغرة عند من يقومون بواجب رعاية الأسر .
عدد وافر من الإعلاميين الذين خرجوا من مناطق الاشتباك كان خيارهم نهر النيل التي أكرمت وفادتهم وأجزلت في العطاء وهي غير مشحودة فتاريخها فيه كل الخير ، هؤلاء الزملاء زرتهم في شندي متفقداً ، يحفظون الجميل والعهد لنهر النيل وخاصة المعتمد شندي حيث أقاموا ، فبإسمهم نرفع آيات العرفان .
الوالي الذي ختم حديثه بمكاسب الولاية التي تحققت خلال سنوات الحرب ، ورغم الأزمة الوطنية ، بدأ ممتناً جداً للاستفادة الكبيرة التي جناها شعب وحكومة الولاية ، خدمياً وتنموياً وإنسانياً ، إذ تستعد الولاية لإقامة المنتدى الاقتصادي الأبرز خلال الكرامة ، ملتقى الصناعة والإستثمار (صنع في نهر النيل) والملتقى القومي للشباب السوداني مواصلة للعطاء وتش عين الضلام بالضي.
بالله عليكم ما ضر نهر النيل وواليها ، حكومتها وشعبها ، نعيق البوم ، بل و”ما ضرّهم وهم كالسحاب علو وشموخ ، نباح الكلاب .
واقول من لمن حاول التعريض بوفدنا والتقليل من منا كما جاء في أثر القصص والحكايات المشهورة أن رجل جاحد ، جاء إلى أحد الحكماء وبدأ يشتمه ويهجوه بأقذع الألفاظ، والحكيم ساكت لا يرد.
فلما انتهى الرجل وانصرف، سأل تلاميذ الحكيم شيخهم: “يا إمام، كيف صبرت عليه وهو ينالك بكل هذا الأذى؟” فرد الحكيم بهدوء: “أرأيتم لو أن رجلاً أراد أن يهديكم هدية فلم تقبلوها منه، لمن تعود الهدية؟” قالوا: “تعود لصاحبها”.
قال: “وكذلك هذا الرجل، جاءني بسبابه وكرهه فلم أقبله منه، فبقي السبُّ له وحده”.
السر القصاص
الجمعة ٢٣يناير
يناير – أمدرمان
