
يظل جرح الفاشر غائراً في كبد كل سوداني وموضع ألم لن يشفى وغصة في الحلق والقلب، وأنين الفاشر يوقظنا في هجعة الليل ويجدّد حزننا في كل لحظة نتذكّر فيها تلك البطولات التي سطّرها أبناء السودان في معركة الذود عن الشرف والتاريخ والوجود.
الفاشر قصة طويلة ومأساة نتجنّب الحديث عنها لأنها من إخفاقنا جميعاً وفشلنا جميعاً وتخاذلنا جميعاً، لن يندمل جرحها إلا بعد عودتها.
الفاشر هي معركة شعب وتفاصيل عامين من القتال والصبر على الحرب وعلى الجراح وعلى الموت وعلى الجوع ،وأمريكا بكل جبروتها وطغيانها ومالها عجزت عن احتمال الحرب مع إيران فهرولت لباكستان تبحث عن أي مخرج حتى وجدته فانتصر الضعيف على القوى والحق على ترسانة السلاح ، لم تستسلم الفاشر وتأكل بثديها ولم تذعن لغاصب أرضها وناهب مالها وقاتل نسائها قبل رجالها، ماتت شامخة مثل جبل سي وجبال كاورا وصعدت روح المدينة وصارت خراباً نعق بومها في النهار.
خسرت بلادنا عاصمة سلطنة الفور عاصمة السودان الغربي ، ومدينة النور والعلم والتجارة ،مدينة الفقهاء والعلماء وكساة الكعبة وراكبي الصهب الجياد وأسلمت المدينة روحها وهي تردّد اللهم صلي وسلم على سيدنا محمداً الفاتح لما أُغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق) ،صمت مسجد الفاشر الكبير عن نداء رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة وهرب الناس زحفاً على الأقدام نحو دولة “٥٦” فمات من مات وبلغ الدبة ودنقلا من كتب الله له عمراً جديداً.
حدّثني أمس المقاتل الشرس الجنرال الكبير في قوات المشتركة وأحد فرسان معارك المدن والصحراء الجنرال جدو نور وقد بدأ يتعافى من آثار الحصار والجوع ونقص الدواء ورحلة الخروج من الجحيم عبر الدواب التي حملتهم كقادة وجنود إلى بلاد ماكانوا بالغيها إلا بشق الأنفس،
قال جدو نور وهو مطمئناً إلى رئيس الأركان الجديد واثقاً من تغيير ميزان المعركة على الأرض إنهم كمقاتلين ولمدة عامين قاتلوا الجنجويد بالأرواح لا بالسلاح وبالحق لا بقوة السلاح ولولا خذلان بورتسودان لمدينة الفاشر لما سقطت أكبر مدن غرب السودان وأعرقها، وعن كيفية السقوط قال إنها قصة يجب أن تروى للشعب السوداني حتى يعلم الناس قيمة الصبر وشجاعة أهل دارفور وصبرهم على الجوع ونقص الدواء ومكرهم عند الخروج عبر الدواب من جبل إلى جبل، وبعض الناس يحملون الجرحى على أكتافهم يختبئون نهاراً و يسيرون ليلاً من مات دفن في مكان غير معلوم للبشر ،ومن وصل إلى النيل في الشمالية أو عبر الحدود الي تشاد أو لاذ بجبل مرة تظل أشواق العودة للفاشر تدغدغ مخيلته حتى حين آخر .
جدو نور قبله مطمئناً بأن النصر قادم إذا ما أنفقت الدولة على المقاومة الشعبية في دارفور عامة ودار زغاوة خاصة وأنه يرى بأم عينه تحرير زالنجي والجنينة قبل كتم وقبل وادي سيلي.
حتى لاتصبح الفاشر قصة تُروى في أمسيات القرى تحت ضوء القمر وحتى لاتسقط من مخيلة أطفال السودان فالتبقى الفاشر فينا ألماً ووجعاً يتخلل مساماة الجسد كل لحظة وحين ،وإذا وتخاذلنا عنها حتى سقطت ولاينبغي نسيانها حتى تعود ولو على يد أحفادنا.






