حديث السبت يوسف عبد المنان العودة لجبال النوبة (3)

حديث السبت

يوسف عبد المنان

العودة لجبال النوبة (3)

مستقبل تحالف حميدتي والحلو.. “النقائض”

” التكمة” ..قصة بطولة لم تكتب في سفر التاريخ

(1)
منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل قبل ثلاثة سنوات وبضعة أيام إستهدفت مليشيا الدعم السريع منطقة هبيلا الواقعة شرق مدينة الدلنج وهي ثاني منطقة زراعية في السودان بعد القضارف، وقدّمت المليشيا إغراءات لرعاة البقر من عرب الحوازمة وإغراءات لرعاة الابل من الشنابلة بأن الاستيلاء على هبيلا والقضاء على قوة الجيش هناك تفتح لهم فلوات من الأراضي الشاسعة التي تمتد لاكثر من الف كيلومتراً مربعا لترعي فيها الإبل والأبقار والماعز بدلاً من زراعتها من قبل رأسمالية جشعة وأن الآلاف من العمال من “الجنقو والجنجقورا والكتو كو” وكلها أسماء لعمّال توافدوا من كل أنحاء السودان وأصبحت منطقة هبيلا أمهم وأبيهم ،شحنت المليشيا صدور( الأشاوس) بأن هؤلاء( أم بايات) و(عبيد جلابة) متعاونين مع استخبارات الجيش وقتلهم يقرّب الفرد من قادة مليشيا الدعم السريع وكل ما ارتكب منسوب الدعم السريع جرائم قتل ومثّل بجثث الضحايا كلما ارتفع مقامه عند عبدالمنعم شريا قائد مليشيا الدعم السريع قبل أن يلقى مصرعه على يد متطوّع مع قوات الاحتياطي المركزي في مدينة الأبيض ويوم الحادي عشر من نوفمبر دخلت مليشيا الدعم السريع هبيلا واستباحت السوق وأحياء المدينة التي يغلب على سكانها التاما بينما النوبة في حي الجبل وعرب أولاد غبوش في حي تيه ونهبت الأسواق وحتي اندايات المريسة والعسلية حيث يعالج المدنيين اليأس طول الليل بالراح. وأنت في هبيلا يشنف أذنيك صوت إبراهيم عوض “مين قساك ومين قسا قلبك” ومخمور من بادية السافل يترنم بدوبيت تيراب يصف حاله وهو سجين في الدلنج بجرم قتل سبعة أشخاص في انتظار تأييد جعفر نميري بصفته رئيس البلاد حكماً باعدام تيراب
(لو شفتينا يا آمنة من ظهرا كبير قام اليهود لتمامنا
مابنموت لو اليوم بقي مو يومنا
ومابنفذ حتى بنوت القبيلة تسومنا)
ودلوكة في هجعة الليل ينبعث صوتها ومن ورائها مغنية لعوب بصوتها لسائق لوري يدعي حسين عوض الله مغرماً باحدي فتيات منطقة أم رماد غرب الأبيض وتوحّلت عربته في رمال العروس ورفض شباب القرية مساعدته فتغنّت حبيبته بأغنية دلوكة
تقول فيها (حسين عوض الله
كب الجاز وأنا برمي ليك الصاجة
وشباب أم رماد بقي فراجة)
ومزامير أم بربري المصارعة كل يوم خميس حيث تتوافد عربات الجلابة أو البحارة أي سكان البحر وما البحر إلا النيل العظيم، مئات الشاحنات تشق طريقها من كوستي والأبيض وأم درمان وودمدني تجلب السكر والشاي والتمر والبلح أما لماذا هذا تمر وذاك بلح تلك قصة تُروى في غير هذا المكان لكن في ساعات ثلاثة حرقت المليشيا أكثر من ثلاثة الف قطية كلما اشتعلت النار في قطية ارتفع صوت التهليل والتكبير دخلت عصبة من الاشاوس بيت امونة بت أبكر وهي امرأة في الستين من العمر لم تعد تهتم كثيراً بملابسها ولكنها ثرية تملك لوري وثلاثة طواحين وتقرض العمال العيش والكجيك اللوبيا بأسعار أعلى قليلاً من اسعار السوق ولكل عامل ضامن في السوق وهي تقرض المال حتى لمن يذهب للإنداية لتجرع العسلية، لحظة دخول المليشيا بيتها كانت فاطمة التي تبنّتها وهي صغيرة تعلم أمها كلتوم ولكن لاتعرف من والدها ومتى ابتلعته الجبال في جوفها
دخل الأشاوس البيت وأطلقوا أعيرة نارية كثيفة وأمرها أحدهما بإحضار الدهب وأخذت ترتعش فاطلق عيار ناري على قدمها أصاب أصبع رجلها فهرعت لداخل الكوخ وجاءت بعلبة كبيرة بها روائح وعطور وأوراق شجر وعروق لحفظ المال أخرجت غوائش الذهب وصاح كبيرهم جنابو إدريس دبي هاك وكان إدريس دبي يغتصب فاطمة التي تبكي أمي أمي ولاتتوجع من تناوب المغتصبين أخذها أحدهم بعربته وفر دون اقتسام بقية غنائم البيت التي توزّعت بين القادة ولكن عشرة من “الأشاوس” تناوبوا في اغتصاب امونه بت أبكر والدماء تسيل من قدمها وآخر المغتصبين سألها (ياخادم) أهلك ييين فقالت بصوت خافت وعيون جحظت جينا من جنينة وأنا صغيرة قال أحدهم أضربها فاطلق ثلاثة رصاصات على رأسها حتى تطاير المخ والتصق بالقش في حوش البيت شهقت طويلاً وخرج الفرسان بانتصارهم على واحدة من فلول النظام السابق ومن دولة “٥٦” ومن أجل الديمقراطية بالضرورة أن يذهب هؤلاء للآخرة .
(2)
هبيلا الآن أثر لمدينة اندثرت وقضى عليها عرب بنو هلال الجُدد مثلما قضى أحفادهم على مدينة القيروان في تونس حينما اجتاحها الجنجويد في نسختهم الأولى ببلاد المغرب العربي سوق المدينة الذي كان يبلغ عدد المتاجر نحو “٥٠٠” دكان أغلبها من الزنك تم فرتقة الزنك ونهبه ولم تبقى إلا حوائط عبارة عن ذكري أكثر من أربعين طاحونة انتهت ونهبت وثلاثة آلاف قطية تم حرقها وعند دخول القوات المسلحة المنطقة وجدت ثلاثة أشخاص أحدهم مختل العقل ومصادر المياه حُطمت وآثار العظام البشرية في كل مكان والذخائر الفارغة، اجتهدت القوات المسلحة في دفن الجثث المتيبسة ولكن ابوربط قائد قوات الاحتياط الذي قاتل مع القوات المسلحة من دلامي إلى كرتالا ومن فيو وحتي التيتل ومن كوكاية حتى التكمة أكثر ثقة بعودة المزارعين لهبيلا بعد ثلاثة سنوات عجاف .
ولكن قبل عودة المزارعين لأرضهم ثمة بارقة أمل في إنصاف أهل هبيلا الذين تعرّضوا لظلم تاريخي ومثل أبناء النوبة وقوداً للتمرّد في النصف الأول من ثمانيات القرن الماضي فماهي تلك المظالم؟
في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي وثورة مايو الظافرة المنتصرة بدأت في التخطيط للنهوض بالقطاع الزراعي تم مسح أراضي منطقة هبيلا وتوزيعها للتجار من الأبيض و كوستي وبارا وقليل من الدلنج وأكثرية من الجزيرة ولما كانت العقلية التي خطّطت لزراعة تلك الأراضي الخصبة لاحس سياسي لها ولا خبرة تسعفها في النظر لأهالي القرى من النوبة الغلفان أو الانشوا والنوبه الكواليب والنوبة في الجبال الستة كان هؤلاء يقطنون في الأرض التي وزعت كمشاريع زراعية للتجار الأثرياء وأرغم أصحاب الأرض على مغادرة قراهم وتقاصرت هِمم وبصيرة الأفندية في انصاف هؤلاء الضحايا بمنحهم اراضي هي ملك لأجدادهم وتسهيل تسجيل جمعيات لهم ومدّهم بالزراعات والجرارات لرفع مستوى معيشتهم ولكنهم لم يفعلوا شيئاً تركوا هؤلاء لأقدارهم ،ولاحقاً كانت المظالم التي لحقت النوبة في هبيلا واحدة من مبعثات تمرّد يوسف كوه أو ثورته كيفما تقف أخي القارئ في أي ضفة من ضفتي وادي الكرقل ،ولكن في تسعينات القرن الماضي جاء وزير الزراعة عبدالجبار حسين عثمان وأصدر قراراً بتقليص مساحات المشاريع الزراعية من الف وخمسمائة فدان للمشروع إلى الف فدان فقط على أن تذهب الخمسائة فدان من كل مشروع الي أهالي المنطقة وحجز غابي لمحاربة التصحّر وزيادة الغطاء النباتي ووجد ذلك القرار ارتياحاً من المواطنين، ولكن واليا من النوبة الغى القرار نزولاً لاحتجاجات التجار الأثرياء في المنطقة ،وخلال الأسبوعين الماضي فارق عبدالجبار حسين المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية معاً ولاتزال قضية انصاف سكان جبال النوبة ممن نهضت مشروعات النهضة الزراعية في قراهم وجباريكهم متاحاً للفريق البرهان بإصدار قرار بمنح على الأقل ٤٠ في المئة من الأرض لمن كانوا يقطنون فيها وهي حواكير محفوظ حدودها في صدور الرجال والآن الأرض التي كانت تنبت الذرة البيضاء والحمراء نبت فيها شجر اللعوت والقرض وتسلّل بعض المسكيت ربما جاء به الجنجويد ما أكثر أمراضهم التي انتشرت حيثما حلو في الأرض الممتدة من الرهد وجبل الدائر الذي تغنى له عبدالكريم الكابلي
(ياجبل الدائر المابنطلع لي زول) وحتي الجبال الستة وهي الكدرو والكرورو والكافير وكلدجي و كرتالا والدباتن ظلت هذه الجبال عصية على التمرّد وعصية أكثر على الجنجويد الذي استخدموا سلاح الطيران المسير ولكن عزيمة الرجال لايقهرها السلاح .
(3)
ما الذي يحدث في التكمة من كر وفر وماهي التكمة؟ تعتبر التكمة منطقة غنيه جداً بالخضر والفاكهة وبها جسر شُيّد سبعينات القرن الماضي وجرفته المياه وهي معبر لوادي عميق جداً يسمى الوادي الأزرق ،استغلت المليشيا وعورة المنطقة وقطعت الطريق وتقديرات القوات المسلحة اقتضت الإنسحاب المرة الأولى والثانية الي الدلنج ولكن معركة الاسبوع الماضي خسرت فيها المليشيا أكثر من ثلاثمائة من جنودها وأطلق على المعركة الموت الصامت والتكمة تبعد عن الدلنج “٧” كيلومترات إلى الشرق ولها اسم آخر تسمى الكوندماي وهي مورد مائي ضخم لقطعان الماشية وقد خلت من السكان منذ عام ونصف العام وأصبحت شركاً لقتل المليشيا والقضاء على عناصرها بدخول امدادات الدواء والغذاء لمدن الدلنج وكادقلي فإن المنطقة على الأقل تتنفس طبيعياً حتى أغسطس القادم وتبعا لدخول القوافل التجارية انخفضت الأسعار بنسبة لاتقل عن خمسين في المائة لكن السؤال الذي يطرح نفسه الي متي يستمر الحصار المضروب على الدلنج وكادقلي؟ وهل هناك تباين في مشروع الحركة الشعبية ومشروع دولة العطاوة؟ وكيف يجتمع هؤلاء وأولئك
في الواقع الاتفاق بين حميدتي والحلو هو اتفاق فوقي يعبّر عن مشروع دولة الإمارات في السودان ولايعبر عن مصالح شعب جبال النوبة وقد أُرغم الحلو على الاتفاق مع حميدتي بعد أن فقد الحلو أي داعم خارجي حتى من جنوب السودان، ولكن المال الخليجي فعل فعلته ووضع بندقية المليشيا في خدمة بندقية الحلو.

الحاكم نيوز وجهة جديدة في عالم الصحافة الرقمية المتطورة... سرعة اكتر مصداقية اكتر دقة وانتشار للخبر والإعلان ..™

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى