
ليس كل من يرحل يغيب، وليس كل من عاش طويلاً ترك أثراً يوازي سنوات عمره، فهناك أرواح تعبر الحياة بخفة الفراشات، لكنها تترك من الجمال ما يجعل حضورها أطول من الغياب، وذكراها أعمق من الزمن
وفي الرابع من يوليو من كل عام، لا يستعيد السودانيون تاريخ رحيل عبدالعزيز العميري فحسب، بل يستعيدون تجربة إنسانية وإبداعية نادرة لفنان آمن بأن الفن رسالة، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تهزم الموت
رحل وهو في ريعان الشباب، لكن أعماله بقيت حية في الوجدان، لأن العمر الحقيقي لا يقاس بعدد السنوات، وإنما بما يتركه الإنسان من نور في حياة الآخرين
كان العميري فناناً شاملاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، جمع بين الشعر والغناء والتلحين والتمثيل والمسرح والإذاعة والتلفزيون والكتابة، ولم يتعامل مع الفن باعتباره مهنة، بل باعتباره وسيلة لفهم الإنسان والاحتفاء بالحياة
ولد بمدينة الأبيض، المدينة التي كانت ملتقى للثقافات والقوافل، وفي بيت عرف الكتب والشعر والأدب تشكل وعيه الأول، فكبر وهو يرى الثقافة أسلوب حياة، قبل أن تصبح موهبة وإبداعاً
وعندما انتقل إلى أم درمان وجد في معهد الموسيقى والمسرح فضاءً رحباً لصقل موهبته، فانطلقت تجربته الإبداعية التي تجاوزت حدود الأغنية إلى المسرح والدراما والإعلام، ليصبح واحداً من أبرز رموز الفن السوداني في جيله
في المسرح قدم أعمالاً راسخة مثل وادي أم سدر وتاجوج والمهدي في ضواحي الخرطوم والتحدي وأحلام الزمان، وأسهم ممثلاً وكاتباً ومخرجاً في ترسيخ المسرح السوداني بوصفه رسالة ووعياً قبل أن يكون فناً
وفي الإذاعة والتلفزيون شارك في إعداد وتقديم أعمال وبرامج درامية وثقافية، وكان من أصحاب الرؤى الجديدة التي أسهمت في تطوير العمل التلفزيوني، مؤمناً بأن الإبداع منظومة تتكامل فيها الكلمة والصورة والصوت
أما الأغنية فكانت نافذته الأوسع إلى الناس، كتب ولحن وغنى نصوصاً أصبحت جزءاً من الذاكرة السودانية، وكان يرى أن الأغنية ليست لحناً عابراً، بل رسالة محبة وأمل ووطن
الفراشة لا تعيش طويلاً، لكنها تترك بهجة لا تنسى، وكذلك كان العميري، حياة قصيرة وأثر طويل
وتكشف أغنية “أمنيات” عن فلسفته في الحياة؛ ورغم أنه لم يكتب كلماتها، إلا أنه تغنى بها بكل جوارحه، وأصر على إجازة صوته في الإذاعة ليرددها، لتصبح تعبيراً حياً عنه وعن رسالته الإنسانية القريبة من الناس، وكأنها رسالة وطن تتردد حتى الآن بنفس الأمنيات، بعد أن ترك فيها روحه لتعبر عن كل من حوله حين غنى …
لو أعيش زول ليه قيمة
أسعد الناس بوجودي
لم تكن كلمات فنان يحلم، بل ميثاق إنسان عاش من أجل أن يكون وجوده نافعاً وجميلاً، ولذلك بقيت قيمته أكبر من سنوات عمره
وفي أغنية “يا قمر” يتجاوز الغناء حدود العاطفة ليصبح نشيداً للوطن، إذ يتمنى أن يعم الفرح الجميع، وأن يفيض النور على البلاد، فيؤكد أن الفن عنده كان دائماً مرتبطاً بالإنسان وبالأمل
لما تزعل أبقي باسم
حتي في زعلك معاي
عشان البلد كل البلد
تفرح تقول القمره جايه
ناويه تحضر لي ظهورك
اصلو مافيها البطولك
اديني من نورك وميض
عشان انور وابقى طولك ياقمر
واللافت أن كثيراً من كلماته إكتسبت بعد رحيله معاني أكثر عمقاً، حتى بدت وكأنها كانت تستشعر النهاية، ففي أغنيته إديني سمعك يقول
إديني سمعك
أنا عمري ما فاضل كتير
شالوا مني الأمنيات
الضايعة في الوهم الكبير
وحين نقرأ هذه الكلمات اليوم يصعب ألا نشعر بأنها كانت مرثية مبكرة كتبها الشاعر لنفسه من دون أن يدري، فقد اختصر فيها إحساسه بالزمن، وترك للأيام أن تكمل تفسيرها
وفي الرابع من يوليو عام 1989 رحل عبدالعزيز العميري، لكن حضوره لم يتوقف، بل بدأ رحلة أخرى داخل ذاكرة السودان الثقافية، حيث بقي اسمه حاضراً كلما ذكرت الأغنية والمسرح والدراما والإذاعة، وكلما جرى الحديث عن الفنان الشامل الذي جمع بين الإبداع والوعي والإنسان
وبعد سبعة وثلاثين عاماً ما زالت فراشة العميري تحلق، لأن الأثر الصادق لا تهزمه السنوات، ولأن المبدعين الكبار لا يعيشون داخل أعمارهم، بل داخل ما يتركونه من أثر
ولعل أجمل ما يختتم به الحديث عنه هو ما كتبه بنفسه، وكأن كلماته كانت تودعنا قبل أن يودع الحياة
كان بدري عليك تودعني
وأنا مشتاق ليك …
نعم، كان الرحيل مبكراً، لكن الأثر كان أكبر من العمر، وبقي عبدالعزيز العميري فراشة عبرت سريعاً، وتركت في سماء السودان ما يكفي من الضوء ليبقى اسمه حياً في الذاكرة، وليظل الفن الذي آمن به وطناً لا يعرف الغياب ألا رحم الله الفنان الشامل عبدالعزيز العميري .






