هنيه عدلان تكتب العودة الطوعية… والرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن

ليست العودة إلى الوطن رحلةً جغرافية تُقاس بعدد الكيلومترات، وإنما هي عودة إلى الجذور، وإلى الهوية، وإلى التاريخ الذي لا يُستعار، وإلى الأرض التي لا يمكن أن يعوّضها وطنٌ آخر مهما اتسعت مساحاته، أو ازدانت شوارعه، أو عظمت إمكاناته.
لقد فتحت لنا دولٌ كثيرة أبوابها، واستقبلتنا شعوبها بقدرٍ من الكرم والإنسانية، وهو موقفٌ يستحق الشكر والتقدير، ولن يجحده إلا جاحد. ولكن يبقى الوطن هو الحضن الذي لا يشيخ، والبيت الذي لا يُغلق بابه في وجه أبنائه، والملاذ الذي لا يملك أحدٌ أن ينتزع منا حق الانتماء إليه.
إن العودة الطوعية اليوم ليست مجرد خيارٍ شخصي، وإنما واجبٌ وطني، ورسالةٌ أخلاقية، وإعلانُ ثقةٍ في قدرة السودان على النهوض من جديد. فالأوطان لا يعيد بناءها الغرباء، وإنما تشيدها سواعد أبنائها، وتنهض بإرادتهم، ويكتب مستقبلها الذين يؤمنون بها في ساعات العسر قبل اليسر.
لقد علمتنا الحرب درساً قاسياً، ودفعت بنا إلى امتحانٍ عسير، فذاق السوداني مرارة النزوح، وفقد الأمن الذي طالما اعتبره أمراً بديهياً، وأدرك أن قيمة الأوطان لا تُعرف إلا حين تغيب. وصدق الله العظيم حين قال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. إنها ليست مجرد قصة، بل سنةٌ إلهية تدعونا إلى استشعار النعم، والمحافظة عليها، والرجوع إلى الله كلما زلت الأقدام، وكلما غلبتنا الغفلة.
وإذا كانت المحنة قد أيقظت فينا هذا الإدراك، فإن أولى خطوات التوبة العملية أن نعود إلى أرضنا، نزرعها، ونبنيها، ونداوي جراحها، ونؤمن بأن المستقبل لا يصنعه المنتظرون، وإنما يصنعه العائدون.
والسودان، رغم كل ما أصابه، ما يزال وطناً عامراً بالخيرات. أرضه تتسع للجميع، ومياهه، وسهوله، وثرواته الزراعية والحيوانية والمعدنية، قادرة – إذا أحسنّا إدارتها – أن تكفي أبناءه، وأن تجعل منه وطناً منتجاً لا مستهلكاً، ومانحاً لا منتظراً للعطاء. مشكلتنا لم تكن يوماً في قلة الموارد، وإنما في ضعف إدارتها، وفي النزاعات التي استنزفت الإنسان قبل المكان.
ولعل أجمل ما في السودان ليس ثرواته الطبيعية فحسب، وإنما ثروته الإنسانية. هذا التنوع المدهش في السحنات، واللهجات، والثقافات، والعادات، ليس لعنة كما يحاول البعض أن يصوره، بل هو نعمة إلهية ولوحة تشكيلية بديعة رسمها الخالق بحكمته. فما كان لاختلاف الألوان والأعراق أن يكون سبباً للفرقة، وإنما أراده الله باباً للتعارف والتكامل. فكيف نرفض مشيئة الخالق، ونسعى إلى تمزيق اللوحة التي جمع ألوانها بقدرته، ونرسم بينها حدوداً لم يرسمها الله؟
لقد أثبتت التجارب أن الأوطان التي تنهض هي تلك التي تنتصر لهويتها الجامعة، لا لتصنيفاتها الضيقة. والسودان أكبر من كل خلاف، وأوسع من كل انقسام، وأبقى من كل مشروع يستهدف تفتيته أو مصادرة قراره الوطني.
ويحضرني هنا ما قاله شاعر السودان الكبير إسماعيل حسن، وهو يصف كرم هذا الوطن وعطاءه الذي لا ينضب:
“حتى الطير يجيها جيعان… ومن أطراف تقيها شبع.”
ذلك هو السودان الذي نعرفه… وطنٌ يسع الجميع، ويطعم الجميع، ويمنح الجميع فرصة الحياة الكريمة إذا أحسن أبناؤه حفظ الأمانة.
إن الذين ظنوا أن الحرب ستقتلع السوداني من جذوره لم يدركوا أن علاقة الإنسان بأرضه ليست علاقة إقامة، وإنما علاقة وجود. قد نغيب عنها اضطراراً، لكننا لا نستبدلها اختياراً. وستبقى الرواكيب الصغيرة في قلوبنا أكبر من مدن الدنيا، لأن فيها دفء الذكريات، ورائحة المطر، وأصوات الأهل، ومعنى الانتماء الذي لا يُشترى.
لن نترك وطننا لمن أراد به سوءاً، ولن نسمح لأي دخيل، كائناً من كان، أن يحل محل أهله أو يصادر حقهم في أرضهم وتاريخهم ومستقبلهم. فالسودان لأبنائه، وبأبنائه، وسيظل كذلك بإذن الله.
فلنعد… لا لأن الطريق سهل، بل لأن الوطن يستحق. ولنعد… لا انتظاراً لمن يبني، بل لنكون نحن البنائين.
# كسرة
يا غريب عن ديارك… مصيرك تعود.

الحاكم نيوز وجهة جديدة في عالم الصحافة الرقمية المتطورة... سرعة اكتر مصداقية اكتر دقة وانتشار للخبر والإعلان ..™

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى