همس الحروف الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ، غياب يوجع القلوب ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي

☘️🌹☘️

لفقد الكبار مرارة في الحلق لا تزول حتى مع مرور الزمن ، فعندما نفقد أحدهم ، فإننا لا نفقد شخصاً واحداً ، ولكن في حقيقة الأمر نفقد مرحلة كاملة من ذاكرتنا ، ويلازمنا عندها شعور عميق بأن بعض منا قد أُنتزع كما يُنتزع الضرس من الفم بدون مخدر ، إنه إحساس مؤلم جداً ، ولا يستطيع أن يتحمله أحد مهما كانت قوته وقدرته ، فتنقبض قلوبنا أمام خبر الموت ، ونقف عاجزين أمام وقع الفقد ، ولو كانت للموت فدية لإفتدينا ومن نحب بكل ما نملك ، ولكن إنه أمر خارج عن قدرتنا ، وبعيد عن دائرة إختياراتنا ، فلا نملك إلا التسليم بقضاء الله وقدره ، وعندها تفيض الدموع بما تعجز الكلمات عن الإفصاح به ، لأن الفقد شعور عميق يعتصر القلوب ، ولا يدرك حقيقته إلا من ذاق مرارته .

إنا لله وإنا إليه راجعون

فالحمد لله على قضائه ، والحمد لله على قدره ، فما كان لقلب مؤمن إلا أن يسلم لأمر الله ، فهو القائل سبحانه: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا) ، فلا يتقدم أجل ، ولا يتأخر موعد ، وكل نفس تسير إلى اليوم الذي كتبه الله لها منذ أن كانت غيباً في علمه .

ونحن اليوم نشارك إخوتنا في دولة قطر حزنهم في مصابهم الجلل ، ونعلم أن فقد القادة الذين إرتبطت أسماؤهم بتاريخ أوطانهم ، هو وجع يسكن في كل بيت ، وتتناقله المجالس في كل مكان ، وتحمله الدعوات في جوف الليالي ، ومهما إختلفنا في فكرة وفلسفة الموت ، يبقى هو أعظم واعظ ، ويظل الرحيل لحظة تتساوى أمامها الدنيا بأكملها .

الحقيقة التي نحاول أن نهرب منها في كل يوم ، فهي تنتظرنا ، فكلنا راحلون ، وكلنا نعد الأيام نحو موعد لا يعلمه إلا الله وحده ، فمن سبقنا لم يأخذ معه شيء إلا عمله ، ولكنه ترك سيرة بين الناس ، وما أعظم أن يغادر الإنسان الدنيا وقد ترك سيرة طيبة ، تتبعها دعوات صالحات وصادقات ، وذكرى حسنة في أفواه من عرفوه .

نحزن لأن الفراق موجع جداً ، ولأن الأماكن بعد الأحبة تصبح خالية ، ولأن الأصوات التي اعتدنا أن نسمعها منهم تطن في آذاننا ، فإذا سكتت شعرنا أن بعضاً من حياتنا قد صمت معها ، فالحزن فطرة أودعها الله في قلوب عباده ، غير أن الإيمان يعلمنا أن الموت ليس النهاية ، لأنه بداية اللقاء الجميل مع أرحم الراحمين ، فإذا كنا نحزن لفقدنا من نحب ، فمن حق المؤمن أن يرجو فرحة الوقوف بين يدي رب كريم ، وهو أكرم الأكرمين .

الجسد يعود إلى التراب ، ومن التراب خُلقنا . والروح تصعد إلى بارئها ، فهي نفخة من أمر الله ، لا يعلم حقيقتها إلا هو سبحانه وتعالى ، ويبقى الاسم في ذاكرة الناس ، وتبقى السيرة على ألسنة المحبين ، وتبقى الأعمال شاهدة لصاحبها ، فإن الدنيا تزول وما يبقى منها إلا العمل الصالح فإنه لا يغيب ، والذكر الجميل لا يدفن مع صاحبه .

رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ترك في قلوب كل من يعرف فضله ، فجوة عميقة ، وكما ترك حنيناً في القلوب إختلط مع الحزن العالق في وجدان الأمة العربية والإسلامية ، ولكن هذه هي سنة الله في عباده ، يرحل الرجال ، وتبقى سيرتهم حديث الأجيال ، ويظل الدعاء أوفى ما يقدمه الأحياء لمن سبقهم إلى الدار الآخرة .

اللهم إنا نسال وأنت خير مسؤول ، فأنت القائل: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) , فإن عبدك حمد بن خليفة قد إنتقل من دار الفناء إلى دار البقاء ، وأنت أرحم الراحمين ، اللهم أغفر له ، وأرحمه ، وعافه ، وأعف عنه ، وأكرم نزله ، ووسع مدخله ، وأجعل قبره روضة من رياض الجنة ، وأجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً .

رحم الله الوالد الأمير حمد بن خليفة آل ثاني وأسكنه فسيح جناته ، وألهم أسرته الكريمة ، وشعب دولة قطر الشقيقة ، والأمتين العربية والإسلامية ، الصبر والسلوان وحسن العزاء . وإنا لله وإنا إليه راجعون .

elbagirabdelgauom@gmail.com

الحاكم نيوز وجهة جديدة في عالم الصحافة الرقمية المتطورة... سرعة اكتر مصداقية اكتر دقة وانتشار للخبر والإعلان ..™

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى