كلام سياسة.. الدنيا دوّارة والسلطة ظلُّ الضحى زائل .. كتب : الصافي سالم

يا جماعة، الدنيا دوّارة، والأيام دول، والسلطة مهما طال أمدها فهي ظلّ زائل، لا تدوم لأحد، ولا تمنح صاحبها الحق في أن يتعالى على الناس أو ينسى من كانوا معه بالأمس.من المؤسف أن بعض الناس، حين تتبدل أحوالهم وتتغير مواقعهم، ينسون أن المناصب لا تصنع قيمة الإنسان، وأن الكراسي لا تمنح أصحابها أخلاقاً جديدة، بل تكشف ما بداخلهم من تواضع أو غرور.مساء اليوم الخميس، وبينما كنت عائداً للمنزل ، صادفت أحد المسؤولين الذين جمعتني بهم معرفة قديمة خلال سنوات الحرب. أتذكره جيداً، وأتذكر أياماً مضت حين كانت الظروف مختلفة، وحين كان الرجل يعمل في موقع وظيفي أقل، وربما كان نائباً لمدير إحدى الشركات في بورتسودان، أو في موقع قريب من ذلك.كانت الأيام تمضي، والظروف تتغير، والناس تتنقل بين المواقع والمسؤوليات. واليوم، شاءت الأقدار أن ألتقيه مجدداً، وقد أصبح في موقع مختلف، وتغيرت مكانته الوظيفية. كمدير عام لشركة هامة اقتربت منه، وألقيت عليه التحية، منتظراً سلاماً يليق بذكريات الماضي، وبالمعرفة التي جمعتنا في أيام الحرب، حين كانت الظروف أقسى، وكانت المواقف الإنسانية أبلغ من الكلمات.
لكن المفاجأة كانت في طريقة السلام؛ تحية باهتة، ولقاء لم يحمل من دفء الماضي شيئاً يُذكر، وكأن سنوات المعرفة قد مُحيت، وكأن الإنسان الذي يقف أمامه لم يكن يوماً جزءاً من ذاكرته.
لم أذهب إليه طالباً خدمة، ولم أكن في انتظار منصب، ولم أحمل معي طلباً أريد منه قضاءه. كل ما في الأمر أنني التقيت شخصاً أعرفه، فبادرت بالسلام من باب التقدير والاحترام، لا من باب المصلحة.وهنا توقفت مع نفسي، وقلت: سبحان الله، ما الذي يتغير في الإنسان حين يجلس على كرسي المسؤولية؟ ولماذا يظن بعض الناس أن المنصب يمنحهم الحق في تغيير معاملتهم للآخرين؟
هل أصبح السلام عبئاً على المسؤول؟ وهل صار الاعتراف بمن عرفناهم في الماضي أمراً ينتقص من مكانتنا الجديدة؟
يا جماعة، نحن في السودان مررنا بظروف قاسية، والحرب علمتنا أن الدنيا لا تستقر على حال، وأن الإنسان قد يجد نفسه في يوم من الأيام محتاجاً إلى كلمة طيبة، أو موقف نبيل، أو يد تمتد إليه في ساعة ضيق.
كم من شخص كان بالأمس في موقع قوة، فأصبح اليوم يبحث عن من يقف بجانبه! وكم من إنسان كان بسيطاً لا يلتفت إليه أحد، ثم فتحت له أبواب المسؤولية، فأصبح الناس يقصدونه ويبحثون عن رضاه!لكن السؤال الحقيقي ليس: أين وصلت؟ بل: كيف تعاملت مع الناس بعد أن وصلت؟
فالمنصب ليس شهادة تفوق أخلاقي، والكرسي ليس دليلاً على عظمة صاحبه، والسلطة ليست مبرراً لنسيان المعروف أو التنكر للعلاقات الإنسانية.
قد تتغير الوظائف، وتتبدل المواقع، وتتسع الصلاحيات، لكن يبقى الإنسان محتاجاً إلى التواضع، محتاجاً إلى احترام الآخرين،ومحتاجاً إلى أن يتذكر أن الحياة لا تسير في اتجاه واحد.
والمؤلم أن بعض الناس لا يدركون قيمة العلاقات الإنسانية إلا بعد أن يفقدوا مواقعهم، أو تتغير الظروف من حولهم. عندها فقط يتذكرون الوجوه القديمة، ويبحثون عن الأصدقاء الذين كانوا يمرون عليهم في السابق دون أن يمنحوهم ما يستحقون من التقدير.
يا أخي المسؤول، لا تنسَ الذين عرفوك قبل أن تصبح مسؤولاً، ولا تتعامل مع الناس بحسب مواقعهم ومصالحهم، فربما يأتي يوم تحتاج فيه إلى كلمة ممن تجاهلته، أو موقف ممن لم تمنحه حتى حق التحية.ولست هنا لأحاكم شخصاً بعينه، ولا لأجعل من موقف عابر قضية شخصية، فلكل إنسان ظروفه، وقد تكون هناك أسباب لا نعرفها. لكن الموقف أعاد إلى ذهني حقيقة تستحق التأمل: نحن بحاجة إلى مراجعة أنفسنا باستمرار، خصوصاً حين تتغير أحوالنا وتكبر مسؤولياتنا.فالناس لا يطلبون من المسؤول أن يقضي مصالحهم جميعاً، ولا أن يمنحهم ما لا يستطيع، لكنهم ينتظرون منه أن يحافظ على إنسانيته، وأن يظل وفياً للقيم التي ينبغي ألا تتغير بتغير المناصب.وما أجمل أن يكون المسؤول كبيراً بمنصبه، وأكبر بأخلاقه، وأن يظل الباب مفتوحاً، والوجه بشوشاً، والتحية صادقة، والاحترام متبادلاً بينه وبين الناس.إن المسؤولية الحقيقية ليست في أن يعرفك الناس بسبب منصبك، بل في أن يتذكروك بالخير بسبب مواقفك.وفي نهاية المطاف، لا أحد يحمل كرسيه معه، ولا أحد يضمن بقاءه في موقعه إلى الأبد. الأيام تتبدل، والمناصب تتغير،والأسماء التي تتصدر المشهد اليوم قد تغادره غداً، لكن المواقف الطيبة تظل حاضرة في ذاكرة الناس.ولنتذكر جميعاً أن الموت لا يستثني صاحب منصب، ولا يفرق بين مسؤول ومواطن، ولا يسأل الإنسان عن حجم مكتبه أو عدد الذين يقفون على بابه، وإنما تبقى سيرته وأعماله وما تركه من أثر في حياة الآخرين.الدنيا دوّارة يا جماعة، والسلطة ظلّ زائل، والمناصب مهما علت لا ترفع قيمة الإنسان بقدر ما يرفعها أدبه وتواضعه واحترامه للآخرين.فلا تجعلوا الكراسي تنسيكم الوجوه، ولا تجعلوا المسؤولية تمحو الذاكرة، ولا تجعلوا المصالح تتحكم في تحياتكم وعلاقاتكم.
فقد نختلف في مواقعنا، ونتفاوت في مسؤولياتنا، ونتباعد في طرق الحياة، لكننا في النهاية بشر، تجمعنا الإنسانية،وتختبرنا المواقف، وتبقى الأخلاق هي المعيار الحقيقي.سلامٌ على من لم تغيّره المناصب، ولم تُفسده السلطة، ولم ينسَ الناس الذين عرفوه قبل أن يصبح اسماً لامعاً في المكاتب. لأن المواقف تكشف معادن الرجال، ولأن الدنيا لا تدوم على حال.

الحاكم نيوز وجهة جديدة في عالم الصحافة الرقمية المتطورة... سرعة اكتر مصداقية اكتر دقة وانتشار للخبر والإعلان ..™

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى