☘️🌹☘️
في مقالنا السابق بعنوان (د. سلمى عبد الجبار ، إمرأة تربت على عوالي القيم ومكارم الأخلاق) ، تناولنا فيه الواقعة التي حدثت داخل مكتب أراضي الخرطوم ، وقد وصلتني ردود أفعال عديدة ، منها ما أيد الطرح ، ومنها ما إنتقده ، ولكل الآراء مني كامل الاحترام والتقدير .
غير أن معظم الانتقادات جاءت محمولة على واقع عاطفي فقط ، وإنطلق من فرضية أن الأستاذ آيات الله موظف بسيط ، بينما د. سلمى شخصية سيادية ، فكان التوقع المسبق أن الخطأ منها ، وتم تحميلها ما لم تفعل .
أولاً أود توضيح بعض الحقائق ، وذلك ليس من باب الدفاع عن أحد أو الهجوم على الآخر ، فكلا الطرفين عندي سواء ، ويربطني بهما حق المواطنة والأخاء العام .
الدكتورة سلمى ظلت تتابع هذا الملف منذ ثمانية أعوام ، وهي الوحيدة التي تملك تفاصيله الدقيقة ، لم تأت في البداية بنفسها ، بل أرسلت أحد المتابعين ، لكنه اصطدم بالواقع البيروقراطي المعروف في مؤسسات الدولة ، وكان بإمكانها بحكم موقعها ألا تذهب شخصياً ، أو أن تطلب حضور الموظف إلى مكتبها لشرح وجهة نظرها فقط ، إلا أن ذلك كان قد يُفهم على أنه إستعلاء سلطوي أو إستغلال للموقع الدستوري ، لذلك ذهبت بصفتها كمواطنة لا أكثر ، ولم يكن برفقتها أمين عام حكومة الولاية كما أُشيع .
دخلت المكتب ، سلمت بأدب يعكس أصالة المرأة السودانية ، و إستقبها الموظف المختص بذات الأصالة ، وجلست تشرح الموضوع للأستاذ آيات الله ، الذي كان في بداية الأمر متجاوباً ، فكلما سأل عن مستند ، أرشدته إليه في الملف ، فكان يجده كما ذكرت ، وعند حديثه عن ورقة بعينها ، أكدت أنها موجودة ، وهو بدوره أشار إلى إمكانية الاتصال بأحد الموظفين القدامى المنتقلين إلى مكتب آخر برئاسة الاراضي في الولاية ، غير أنه تماطل في إعطاء رقم هاتفه ، ومعلوم لدى المواطنين أن بعض الإجراءات وخصوصاً ما يتعلق بالأراضي قد تتعقد ، وعندما يراد إغلاق أي ملف ما ، يُغلق بدون مبررات كافية .
في تلك الحظة تحدثت د. سلمى مع مرافقتها حديثاً خاصاً بينهما ، وذكرت فيه أن الأمر يبدو معقداً وأن المعاملة لن تتم بهذه الصورة ، وهنا إلتقط الأستاذ آيات الحديث ، ورفع صوته وألقى بالأوراق نحوها ، وتدخل أحد زملائه ، فعرفه بأنها عضو في مجلس السيادة ، فجاء رده سريعاً (سيادي ولا البرهان نفسه) ، نحن في المكتب هنا لا يعنينا ذلك .
عموماً الموضوع قرار إداري تنظيمي صادر من السيد والي الخرطوم ، وكان الأجدر به إذا كان هنالك ثمة رفض منه أن يوجهها للجهة المختصة مباشرة ، أو يوضح لها الإجراء المطلوب بكل روح إنسانية بدون إنفعال .
ومن المهم التأكيد أنها لم تعرف بنفسها كعضو سيادة ، وجاءت كمواطنة تطلب حقاً ، ولم تخبط الطاولة كما قيل ، وعلى عكس ذلك الذي طرق الطاولة هو الأستاذ آيات الله ، وكل ما قامت به بعد خروجها من مكتبه إتصلت بأمين حكومة الولاية لتقديم شكوى ، ولا أظن أن أحداً سيختلف معي حول مشروعية الشكوى كحق أصيل لأي مواطن .
ما حدث بعد ذلك شأن إداري بين موظف وأمين حكومته ، ونحن لا نريد الخوض في تفاصيله ، وكان الأولى أن يُحال الأمر إلى مجلس محاسبة للتثبت قبل إصدار أي قرار ، ولكن تسرع السيد الأمين في الحكم قبل اكتمال التحقيق ، ولم يكن موفقاً في ذلك ، كما كان تصرف الموظف .
وكان يمكن تفهمه قبل معرفته بشخصها ، وكان من الممكن أن ينتهى الأمر في لحظته ، إلا أن التمادي في عبارات مستفزة بعد تنبيهه إلى موقعها الدستوري لا يمكن قبوله أبداً مهما كانت المبررات .
نحن في قبيلة الإعلام نقف دائماً مع الضعفاء حتى ينتصروا و نكون لسان حالهم ، ولكن يكون ذلك بالحق .
نحن في دولتنا نحترم العلم وهو قطعة قماش لاغير ، و إحترامنا له نابع من رمزيته لسيادة الدولة ، ونحترم الشرطي لأنه يمثل هيبتها ، وكذلك القاضي ووكيل النيابة ، فكيف نقبل التجرؤ على مؤسسة السيادة في حضور ممثلها ؟ ، كان بالإمكان أن يأخذ الأستاذ آيات الله الأوراق منها بكل إحترام ، ويرفعها إلى مديره ، ثم تتدرج حتى تصل إلى أعلى جهة في الولاية ، ويكون الرد النهائي ملزماً للجميع ، دون تصعيد أو إبداء إساءة لرمزية الدولة ، فإذا كان هذا تعامل موظف مع أعلى جهة في الدولة ، فكيف سيكون حال تعامله مع المواطن البسيط ؟ .
وما يؤسف له حقاً أن السيد دولة رئيس مجلس الوزراء تدخل في الموضوع عبر الإعلام ، وما أُشيع قبل التواصل مع أطرافه الإثنين ، وكان الأجدر أن يستمع إلى الدكتورة سلمى ولو هاتفياً ، كما يجب عليه ان يستمع إلى الأستاذ أيات الله ، وذلك من مطلق تحقيق العدالة ، فسماعه للراي والراي الآخر واجب أصيل .
لكن هكذا هو واقعنا السوداني ، فأحياناً إذا لاحت فرصة لتحقيق مكسب إعلامي آني ، إحترق كل من في الطريق ، ليظهر الفاعل كبطل أمام الناس .
تحضرنا هنا الآية (24) من سورة (ص) التي ذكرت حكم النبي داؤود عليه السلام في قصة الخصمين ، حيث أكدت أن مطالبة أحد الأخوين بضم نعجة أخيه الوحيدة إلى نعاجه التسع والتسعين فيه ظلم بين ، وسلطت الآية الضوء على فتنة داؤود في الاستعجال بالحكم ، مبيّنةً أن العدل بين الناس لا يتحقق دون استكمال السماع ، وقد يكون في الأمر فتنة .
هذا المقال ليس انتقاصاً من حقوق الأستاذ آيات الله ، ولا إنحيازاً للدكتورة سلمى ، ولكنه عبارة عن محاولة لإظهار بعض الشيء الذي حمل اللبس ، ونحن نؤكد أن العدالة لا تُبنى على الانفعال ، ولا بد من التثبت وحفظ كرامة الجميع ، وما هو معلوم بالضرورة أن الكرامة لا تتجزأ ، والعدل لا يعرف مواقع الناس أبداً ، ولا وظائفهم ، وإنما يقوم على ميزان واحد بين الناس .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

