العميد طبيب طارق كجاب: عندما تترجل “المؤسسة” في هيئة “رجل”* بقلم: محمد المزمل الحاج آدم

*
في تاريخ الشعوب والمؤسسات العسكرية العريقة تمر أسماء تعبر كالشهب لكن قليلاً هم أولئك الذين يتحولون إلى “بوصلة” في زمن التيه واليوم ونحن نتأمل قرار إحالة العميد طبيب طارق الهادي كجاب للتقاعد لسنا بصدد قراءة كشف دوري للتنقلات بل نحن أمام جرد حساب لمرحلة كان فيها هذا الرجل “كتيبة كاملة” من الوعي والطب والمواجهة.

ثلاثية المشرط والبندقية والكلمة
لم يكن طارق كجاب مجرد ضابط يؤدي واجبه بل كان تجسيداً لحالة نادرة من “الاشتباك الشامل”. في ردهات السلاح الطبي حيث كان الحصار يطبق أنفاسه والموت يتربص بالجميع ظل كجاب صامداً لعامين لم يكن يضمد الجراح بمشرطه فحسب بل كان يضمد انكسار الأرواح بكلماته الصادقة عبر المنابر محولاً صمود القوات المسلحة من فعل عسكري مجرد إلى عقيدة شعبية راسخة.

*تفكيك قرار الإحالة: هل ربح الوشاة؟*

إن تساؤلات الشارع السوداني اليوم مشروعة وهي تنبع من خوف حقيقي على “صوت الحق” فبينما يروج خصوم المؤسسة العسكرية لسيطرة تيارات معينة على القرار تأتي إحالة كجاب—الذي يمثل ضمير الشعب وصوت الجيش الصادق—لتثبت أن القيادة تملك زمام المبادرة لكنها في الوقت ذاته تضعنا أمام تساؤل مرّ:
هل كانت أنفاس الوشاة والضغوط التي تحاول “تفكيك” الالتفاف الشعبي حول الجيش هي المحرك لهذا التوقيت الحساس؟
لقد سبق كجاب القيادة بخطوات في “تنوير” العقل الجمعي السوداني وحصّن الجبهة الداخلية ضد دعاية “الجنجويد” ومن شايعهم حتى غدا مؤسسة إعلامية ومعنوية قائمة بذاتها.

الخسارة والربح.. موازين مقلوبة
إذا نظرنا للمسألة بحسابات الأرقام والمؤهلات فإن الدكتور طارق هو “الرابح الأكبر” فالرجل يحمل من الزمالات البريطانية في الباطنية والعناية المكثفة ما يجعله مطمعاً لأرقى المستشفيات والجامعات العالمية رحيله عن البدلة العسكرية هو خسارة لـ “الموقع” لكنه مكسب لـ “الفكرة” فالأرض واسعة وعلم طارق ومواهبه كأديب وخطيب وأستاذ جامعي ستجد لها ألف مجرى ومجرى.

أما المؤسسة العسكرية ورغم يقيننا بأنها مفرخة للقادة ولا تتوقف بذهاب فرد إلا أنها اليوم تفتقد “صوت العباس” الذي رد الناس يوم حنين لقد كان صوت كجاب هو الترياق الذي أبطل سموم الإحباط وهو المحرض الأول على الاصطفاف الوطني في أحلك الظروف.
كلمة أخيرة للعميد المجاهد
يا أيها الطبيب الذي ما هاوالخطيب الذي ما خان والضابط الذي لم يغادر الثغر حتى في أحلك ساعات الحصار لقد أديت الأمانة وشهد لك الشعب قبل الرتبة بأنك كنت “وزارة إعلام” في رجل و”مشفى” في قلب.
ستبقى القوات المسلحة السودانية عصية على الانكسار وسيبقى اسمك محفوراً في ذاكرة هذا الجيل كأحد الذين قطعوا من وهج روحهم ليبقى سراج الوطن متقداً.
د. طارق كجاب.. ترجلك اليوم هو بداية لمرحلة جديدة من العطاء فجزاك الله عن السودان وأهله خير الجزاء.

محمد المزمل الحاج آدم
٢٧ مارس ٢٠٢٦م

Exit mobile version